المؤتمر العالمي حول "الأباتايد" الإسرائيلي يبحث أدواته وتداعياته

اسطنبول - صفا

استأنف المؤتمر العالمي الأول حول الأبارتايد الإسرائيلي جلساته في إسطنبول السبت وعقدت جلسته الثانية بعنوان: "أبعاد نظام الأبارتايد الإسرائيلي وأدواته وتداعياته".

واستهل رئيس حملة التضامن الفلسطيني في بريطانيا كامل حواش خلال تقديمه للجلسة الحديث عن تجربته في التعامل مع المحتل الاسرائيلي عندما حاول العودة إلى فلسطين ومنعه من ذلك، مؤكدًا أن هذه القصص مهمة جدا لإيصالها للعالم.

وأضاف قائلاً: “عندما تقع أي كارثة في العالم نجد إسرائيل تسعى لإظهار نفسها كدولة إنسانية تقدم المساعدات للمنكوبين لكن هذه الانسانية تتوقف عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين”.

وفي مداخلته تحدث مدير عام مؤسسة مدى الكرمل مهند مصطفى عن طبيعة العلاقة بين الفلسطينيين في الداخل المحتل وبين "إسرائيل"، وعن قانون القومية بالنسبة للمشروع الصهيوني و"إسرائيل".

وقال مصطفى: إنه "منذ التسعينيات كان هناك مشروعان فلسطينيان يهيمنان على الشعب الفلسطيني، الأول هو دولتين لشعبين وهذا المشروع افترض أن المشكلة الفلسطينية بدأت منذ ١٩٦٧ وأن الحل يكون من خلال إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل".

وأضاف "أما الفلسطينيين في إسرائيل كان لديهم مشروع المساواة في التوزيع، وتحديدًا الخطاب الفلسطيني داخل إسرائيل كان يشدد على المساواة بالتوزيع لأن المشكلة الأساسية التي يعاني منها الفلسطينيون بالداخل هي التمييز".

عنصرية إسرائيلية

ونوه إلى أن "المشترك بين المشروعين هو ما تبين بعد اتفاق أوسلو أنهما تجاهلا بنية وجوهر ما يسمى النضال الإسرائيلي، المشروع الأول تجاهل البنية الاستعمارية للاحتلال الإسرائيلي الذي جاء تكملة لمشروع الاستعمار، أما الثاني فتجاهل جوهر النضال الإسرائيلي كمشروع اثني عنصري".

وأكد مصطفى أن النظام الإسرائيلي لم تكن له مشكلة في الاعتراف بالتمييز، لكنه لا يعترف بالتفرقة العنصرية، وهذا ما يرى ويسمع على لسان السياسيين في "إسرائيل".

وشدد على أن "حل الدولتين لم يعد أصلا رهانا اسرائيليا، وأثبت اتفاق أوسلو أنه لا يمكن تحقيق عدالة التوزيع في ظل البنية الاستعمارية والاثنية لدولة اسرائيل، وفي هذا الواقع جاء قانون القومية ليحسم بشكل تام عدم إمكانية تنفيذ مشروع العدالة في التوزيع".

وقال: "إن الفلسطينيين بإسرائيل توصلوا منذ التسعينات إلى استحالة تحقيق المساواة في ظل هذا النظام، ولذلك عندما تحدى الفلسطينيون في إسرائيل بنية النظام السياسي اتجهت إسرائيل للتشديد على هويتها اليهودية والاثنية".

وشدد على "أن قانون القومية هو لحظة تاريخية أعلنت فيها إسرائيل عن انتصار مكنونها الاستعماري على مكنون الدولة، قانون القومية يقول بأن إسرائيل ما زالت في حالة المستعمرة ولم تنتقل إلى حالة الدولة، وهي ما زالت جزء من حركة ومشروع".

وأكد مدير مؤسسة مدى الكرمل أن كل مركبات قانون القومية تتنافى مع مركبات ومكونات الدولة، مشيرًا إلى أن "المشروع الصهيوني يتعامل مع دولة إسرائيل كأداة، وشرعية هذه الأداة تتحدد بقدرتها على تنفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين".

ولفت إلى أن قانون القومية هو القانون الوحيد الذي يتعاطى مع اليهود والإسرائيليين في إسرائيل ويتعامل أيضا مع الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية وفي العالم.

وختم بأن قانون القومية يعطي بنية تؤكد أن مكانة الفلسطينيين في "إسرائيل" وعموما لا تكون إلا من خلال نزع الصفة الاستعمارية عن إسرائيل وتفكيكها لتحقيق العدل للفلسطينيين.

بدوره، سلط أستاذ التاريخ الفلسطيني عادل مناع الضوء عن أثر الحكم العسكري على الفلسطينيين في الداخل بين عامي 1948 و1966، منوهًا إلى أهمية عملية التوثيق للأبارتايد الإسرائيلي، وهذا ما تقوم به مثل هذه المؤتمرات.

وقال: "من المهم جدًا أن نوثق ما نقوله حول الأبارتايد في داخل إسرائيل، وأن نعتمد على حقائق دقيقة لا يستطيع الطرف الآخر الإتيان بحقائق أخرى تتغلب عليها".

وأضاف "إذا تحدثنا عن فترة الحكم العسكري، وهي فترة فصل عنصري وممكن نطلق عليها أبارتايد رغم أن الفلسطينيين في إسرائيل كانوا يحملون الجنسية الإسرائيلية، ويشاركون في الانتخابات الإسرائيلية، ولكن حقوقهم منقوصة ولا يتساوون فقط إلا في المشاركة في الانتخابات في الكنيست".

وتابع مناع متحدثا عن نقاط أساسية حول وضع فلسطينيي48: "الفلسطينيون في إسرائيل كانوا الجزء المنسي من القضية الفلسطينية في كتاباتنا ووعينا وفي تفكيرنا، وفي خطابنا السياسي بعد النكبة وهناك أسباب مختلفة، من أبرزها التركيز على النكبة واللاجئين التي احتلت مكانة مهمة حينها".

وأوضح حول الحالة التي كان ينظر إليها الفلسطيني من بقي داخل الوطن، قائلا: "في كثير من الأحيان اعتبر وكأنه متعاون مع الطرف الإسرائيلي وقبل بالعيش تحت النظام الصهيوني الإسرائيلي في دولة يهودية وكأنه كان هناك بدائل للفلسطينيين في إسرائيل غير أن يصبحوا لاجئين والكثير منهم أصبح لاجئين".

الهجرة القسرية

وتطرق مناع إلى شهادته على الفترة التي كان لها الأثر الأكبر على القضية الفلسطينية، شارحًا مراحل النكبة والهجرة القسرية التي تعرض لها مع عائلته، في الفترة التي كانت فيها "إسرائيل" تقوم بإجراء الانتخابات بتاريخ 25 يناير عام 1949، وهجرته إلى سوريا ثم لبنان ومنها عادوا إلى فلسطين عبر قوارب صيادين من صور اللبنانية إلى فلسطين.

وشرح بعضًا من أدوات الحكم العسكري للتخلص من الفلسطينيين منها "السيطرة على أراضيهم، ومنع الغائبين في داخل إسرائيل أن يعودوا إلى قراهم، وتدمير القرى الفلسطينية، وفرض قيود على التنقل والعمل".

واختتم المناع مشاركته بالقول: “المرحلة مهمة في تاريخ القضية الفلسطينية، وصراع البقاء كان هو القضية الأساسية للفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين، البقاء مهم جدا لأننا نقف هذه الأيام على منعطف تاريخي، ما يسمى صفقة القرن أو محاولة انهاء القضية الفلسطينية وللأسف تعاون بعض الأنظمة العربية مع النظام الأمريكي وغيره من أجل تصفية القضية الفلسطينية”.

لا حيادية

بدوره، استعرض جاويت تاتلي في مداخلته مراحل الصراع العربي الإسرائيلي منذ عام ١٩٤٨، انتقالًا إلى حرب الأيام الستة عام ١٩٦٧، والتوسع الإسرائيلي في أراضي الدول العربية، وما بعد اتفاق أوسلو، والانتفاضة الفلسطينية، مرورا بقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

وأكد تاتلي أن فلسطين بالنسبة لتركيا شيء مهم جدًا، وأنه لا يوجد حيادية في هذا الأمر.

وأشار إلى التمييز العنصري الذي يعيشه الفلسطينيون في القدس، مؤكدا على أن هناك براهين ودلائل قطعية حول العنصرية التي ترتكبها "إسرائيل" ضد الفلسطينيين.

وعرج تاتلي لقضية مهاجمة “إسرائيل” لسفينة (مافي مرمرة) وركابها الذين ذهبوا إلى غزة لتقديم مساعدات انسانية.

وذكر أن موقف الأمم المتحدة التي اعتبرت أن الصهيونية تهدد السلام والأمن العالمي، وكيف أن "إسرائيل" اشترطت إزالة هذا القرار للقدوم إلى مؤتمر مدريد للسلام وتم ازالته، ولكن "إسرائيل لا تزال إلى اليوم تتحرك في سياستها العنصرية بحرية دون حساب".

وأكد أن الفكر الصهيوني العنصري بدأ على مراحل متعددة، مشيرا إلى "قانون القومية وقانون المواطنة هي قوانين عنصرية وتقوم إسرائيل بوضع اليد على الأراضي الفلسطينية من خلال قوانين عنصرية وقوانين الطوارئ وتقوم بانتهاك حقوق الفلسطينيين من خلال القوانين التي تسنها".

وختم بأن "علاقات الدول الإسلامية في أسوأ حالاتها وبالتالي يجب علينا أن نتوحد ونكون أقوى، والقدس هي واجهتنا لذلك وهي تشكل أهمية كبيرة للجميع وبالتالي يجب علينا تقوية مؤسساتنا".

من جانبه، تحدث راسم خمايسي من مركز التخطيط والدراسات(cps) في ورقته عن وضع مدينة القدس وتأثرها بالممارسات الإسرائيلية وما ينتج عنها من مضاعفات خطيرة، واضعًا إطارًا نظريًا ومعرفيًا ومعلوماتيًا حول وضع المدينة، موضحًا الأيدولوجية والسياسات الإسرائيلية في التعامل مع مدينة القدس وآليات التطبيق الإسرائيلي لها.

واستعرض خمايسي موجزًا لبعض من الأدوات المستخدمة من قبل "إسرائيل" لحصر وتقطيع الفلسطينيين المقدسيين وتأثيرها على المجتمع الفلسطيني المقدسي ودفعهم لحالة التهجير القسري بهدف السيطرة على المدينة، ذكر منها "السيطرة على الأرض والجغرافيا، وإعاقة التنمية الفلسطينية في القدس، ونزع الملكيات من خلال القانون وعمليات الاستيطان وتقسيم التجمعات الفلسطينية".

واعتبر أن الإضاءة على واقع مدينة القدس، باعتبارها جزء من فلسطين، تشكل حالة عامة لقراءة حال والوضع في فلسطين ككل.

ورأى أنه "من المهم فهم الأدوات التي تقوم بها إسرائيل وتستخدمها على الفلسطينيين، وذلك للقدرة على التعامل مع هذا الواقع والتعامل معها".

أدوات الأبارتايد

وحول السياسية الإسرائيلية في القدس، أوضح خمايسي أن "إسرائيل تمارس سياسات منطلقة من أيدولوجية قومية دينية مستخدمة قوة الدولة لفرض مصفوفة ضبط حيزي وفردي وجمعي على الفلسطينيين لامتلاك المكان وتغريب الإنسان الفلسطيني لدفعه للهجرة أو التهجير القسري والاقتلاع مما يساهم في تهويد الحيز" وذلك عبر مركبات ناعمة وقاسية تتفاوت حسب المناطق تحولت مع الزمن إلى نظام فصل عنصري يستخدم قوة الدولة وفق ما قاله خمايسي.

وتابع: "هناك خلق هوية مشوهة واستعداد نفسي ذاتي للتهجير أو اندماج للفلسطيني في مدينة القدس، على المستوى الفردي والمجتمعي وفرض تقسيمات في المجتمع وتقسيم القدس وتقطيع الروافد بين المدينة وريفها من قبل إسرائيل".

ودعا خمايسي إلى مواجهة هذه المخاطر وتوفير الدعم خاصة من قبل الدول العربية والإسلامية لتمكين المقدسيين من البقاء في أرضهم، لأن "حالة الصراع وحالة التشابك توجد حالة أبارتايد وهذا يتطلب المواجهة".

واختتم خمايسي كلمته بالإشارة إلى أهمية العمل على تقوية مؤسسات المجتمع المدني في داخل فلسطين وخاصة في مدينة القدس، لتتمكن من مجابهة الممارسات الإسرائيلية بحق المدينة.

وحول سياسات الافقار والتبعية الاقتصادية كوسيلة للسيطرة والهيمنة العرقية في فلسطين، قال محمد السمهوري إنه: "وعلى مدار 52 عامًا لاحتلال الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، أصبح الفلسطيني يعمل تحت سيطرة إسرائيلية تامة عبر أوامر عسكرية أثرت على كافة الأنشطة الاقتصادية في الأراضي المحتلة".

وأضاف: "عبر هذه الفترة الطويلة هناك الكثير من الاجراءات الاسرائيلية التي خنقت الاقتصاد الفلسطيني وجعلته تابعا لإسرائيل، الضفة الغربية مشرذمة وقطاع غزة محاصر ويتعرض للهجمات والقدس معزولة ومهمشة اقتصاديا".

وأكد السمهوري على أن "هذه الممارسات حرمت الاقتصاد الفلسطيني من فرصه وأثرت على ملايين الفلسطينيين وأدت إلى إفقارهم واعتمادهم على المساعدات الخارجية المالية وغيرها".

وأشار السمهوري إلى أنه في الاعوام الماضية السياسات التي نفذتها السلطات الاسرائيلية هدفت عمدا إلى خنق التنمية في الأراضي المحتلة، وإسرائيل تريد أن تبقي على هذه الأراضي كمخزون للعمل الرخيص، وبالتالي التأثير على المناخ الاستثماري.

ونوه إلى أن النقص في الاستثمار في الأراضي الفلسطينية أدى إلى أن البنى التحتية في المناطق المحتلة تزداد سوءا يوما بعد يوم.

وأكد أن وصول الفلسطينيين إلى الأراضي كان مقيدا بسبب المستوطنات، وأيضا الموارد المائية التي تتحول إلى المستوطنات الاسرائيلية وبالتالي اضعاف التنمية والزراعة في المناطق المحتلة، مشددًا على وجود سيطرة اسرائيلية كاملة على الموارد الفلسطينية واستخدامها لتغذية المستوطنات المقامة في الضفة الغربية.

وحول المساعدات المقدمة من المجتمع الدولي للسلطة الفلسطينية، قال:” إن السلطة تلقت منذ اتفاق أوسلو أكثر من 40مليار دولار، وهذه الأموال لم تسهم بتنمية حقيقية للاقتصاد الفلسطيني”.

وبين أن ربع قوة العمل الفلسطينية اليوم غير قادرة على العمل، ليس هناك مقدرة على توظيف الأجيال الشابة الجديدة، وأكثر من ثلث السكان الفلسطينيين لا يتمتعون بالأمن الغذائي، والأرقام المتعلقة بقطاع غزة هي أكثر من ضعف الأرقام التي نراها في الضفة الغربية، والأراضي الفلسطينية لا تزال تعتمد على الدعم الأجنبي للبقاء والنجاة.

وختم "طالما استمرت إجراءات إسرائيل تجاه الفلسطينيين فمهما كانت كمية مساعدات الدولية لن تؤدي تلك المساعدات إلى نتيجة ايجابية، وبالتأكيد ليس هناك مبادرات قادرة على تعزيز الاقتصاد الفلسطينية في ظل الاجراءات الإسرائيلية".

/ تعليق عبر الفيس بوك