"كورونا" يُصيب السياحة.. غاب السيّاح وحضر "الغُبار"

الخليل - سائدة زعارير - صفا

لا يزال نضال يعيش حالة من الصدمة بعد أن كسى الغُبار تحفًا خشبية مصفوفة على أرفف داخل مشغله في مدينة بيت لحم؛ كان يبيعها للسياح الأجانب القادمين إلى المدينة، وتُعد وسيلة رزقه الوحيدة قبل انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد.

ولم يجد نضال، الذي يتقن صناعة تحفه التقليدية و"الدينية" من خشب الزيتون، إلا كلمة "مأساوي" ليصف حاله اليوم، بعد أن كانت تحفه تلقى إقبالًا من السياح، ولاسيما في المناسبات الدينية المسيحية بشهري إبريل/ نيسان، وفي آخر العام.

وتضررت معظم القطاعات التجارية بعد إعلان الرئيس محمود عباس حالة الطوارئ في الخامس من مارس/ آذار الماضي، عقب اكتشاف أولى الإصابات بفيروس كورونا لمواطنين مخالطين لوفدٍ يوناني في أحد فنادق مدينة بيت لحم، تبيّن إصابة بعض أفراده بالفيروس.

متاجر بلا زبائن

لكن قطاع السياحة كان له النصيب الأكبر من الضرر، إذ تعطّل كليًّا إلى أمد غير معروف، وانضم العاملون والفنادق والمطاعم والمتاحف والمشاغل والمكاتب السياحية إلى قائمة "ضحايا كورونا".

"نفتح كل يوم متحفنا ونغلقه، ولا يأتي من يقول لنا مرحبًا أو السلام عليكم"، أصبح هذا الفعل روتينًا يوميًا لهشام مرقة صاحب متحف في البلدة القديمة بمدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، بعد انتشار فيروس كورونا.

اعتاد مرقة على دخل بنحو أربعة آلاف شيكل (الدولار = 3.6 شيكل) شهريًا من متحفه، الذي تزينه معصرة أثرية تعود إلى العهد العثماني، وفق ما يقول لوكالة "صفا"، لكن مهمته الوحيدة أصبحت نفض الغُبار عن مقتنياته بعد انشار كورونا.

كان المتحف الذي ورثه عن والده، يعج بالزبائن من السياح الأجانب، ثم يصحبهم إلى جولة تعريفية في البلدة القديمة بالخليل، وهي المكان الذي يعمل الاحتلال الإسرائيلي على تهويد ما تبقى منه بالقوة.

يعيش الرجل هذه الأيام "انتكاسة الموسم" كما يقول، إذ اعتاد على انتعاش عمله بدءًا من شهر مارس/ آذار، لكن الركود أصابه قبل إعلان حالة الطوارئ بأسبوعين، وتوقف تمامًا بعد امتناع الحكومة عن استقبال المجموعات السياحية وإلغاء الحُجوزات الفندقية.

ولا يغلق مرقة متحفه في البلدة القديمة في ظل هذه الظروف الصعبة كيلا يستغل الاحتلال غياب أهالي الحي لفرض أمر واقع بالقوة، وقضم المزيد من العقارات والأراضي لصالح الاستيطان.

وينتظر صاحب المتحف تعويضات حكومية للمواطنين في البلدة القديمة على غرار ما كانت تصرفه لهم قبل ثلاث سنوات، ويرى أن الأوضاع الراهنة وأهمية المنطقة تُحتّم على الحكومة تشجيعهم على البقاء في ظل ما يواجهونه من ضغوط إسرائيلية مستمرة.

"توقيت قاتل"

وتعدى تأثير كورونا المهن المرتبطة مباشرة بالقطاع السياحي إلى القطاعات المتعلقة به، وأصبحت المتاجر التي كانت تعج بالسياح الأجانب خالية تمامًا.

ويصف الخمسيني فايز عابدين صاحب متجر بسوق الدباغة، الذي تحوّل إلى مكان لبيع التحف الدينية والتراثية للسياح، في البلدة القديمة بالقدس المحتلة، توقيت تفشي وباء كورونا بـ"القاتل"، لأنه جاء في ذروة الموسم السياحي.

ويقول الرجل الذي ورث مهنة الدباغة عن والده لوكالة "صفا" إنه خسر دخله بالكامل، وقد يأخذ تعافي تجارته من أضرار الإغلاق بسبب الفيروس وقتًا ليس قريبًا.

ويزخر متجر عابدين، القريب من كنيسة القيامة، بمصنوعات متقنة من الجلد الطبيعي كالحقائب والمحافظ اليدوية والأحذية، وغيرها من سجادات الصلاة والمسابح والتحف، ويعتمد بشكل أساسي في بيعها على السياح الأجانب.

بالنسبة إلى الرجل فإن اكتشاف الفيروس في الصين بدايةً أربك عملية استيراد المواد اللازمة لصناعته، لكن مع دخول شهر مارس/ آذار توقّفت أعماله بشكل كامل نتيجة تفشي الفيروس في العالم وفلسطين.

ويأتي تأثير كورونا على السياحة في القدس ليزيد من معاناة تجارها جراء الضرائب الإسرائيلية الباهظة، في محاولة لإجبارهم على إغلاق المحال وترك المنطقة لتهويدها.

وأفقد كورونا نحو 350 مرشدًا سياحيًا عملهم، وفق سمير بوبان ممثل الهيئة الإدارية لنقابة المرشدين السياحيين، والذي كان من أوائل المصابين بالفيروس.

ويقول بوبان لوكالة "صفا" إن الجائحة تسببت بإغلاق القطاع السياحي بالكامل، وأقعدت العاملين في توفير الخدمات، والفنادق، وأصحاب المشاغل والمطاعم، عن العمل، مُقدّرًا عددهم بالآلاف.

ملف التعويضات

وفي محاولة لتعويض المتضررين في القطاع، سلّمت النقابة محافظ بيت لحم كامل حميد كتابًا للمطالبة بصرف تعويضات جراء فقد العمل بفعل فيروس كورونا.

أما المتحدث باسم وزارة السياحة جريس قميصة فيقول إن وزارته لم تدرس بعد وضع المتعطلين بسبب الجائحة، وستنظر في التعويضات بعد مرور الأزمة، لأن الحكومة تُسخّر إمكانياتها حاليًا لمواجهة الوباء.

ويضيف لوكالة "صفا"، "عند زوال هذه الغمة ستعمل الوزارة على استخدام الوسائل الترويجية التي استخدمتها سابقًا، لإعادة دوران عجلة السياحة".

وتسببت الإجراءات الحكومية ضد الفيروس بخسارة فادحة، ولاسيما للمستثمرين في قطاع السياحة الذي شهد انتعاشًا ملحوظًا في الفترات الأخيرة، وفق قميصة.

لكنه يرى أن ممارسات الاحتلال بالاستحواذ على الأماكن السياحية الفلسطينية والترويج لها على أنها جزء من تاريخه والتضيق على العاملين في القطاع، هي العائق الأكبر في وجه السياحة.

/ تعليق عبر الفيس بوك