كاتب: حينما تكون الكمامة أهم من الصاروخ

أبو ظبي - صفا

سلَّط الكاتب والإعلامي الإماراتي يوسف الحداد، في مقال له، الضوء على أهمية صناعة الكمامة في عصرنا الحالي، أكثر من الصناعات العسكرية.

وقال الحداد "ربما أدركت العديد من الدول المتقدمة، التي بدت عاجزة عن مواجهة وباء كورونا المستجد، أن ما أنفقته من مليارات الدولارات على سباق التسلح، خلال الأعوام القليلة الماضية، كان خطأ كارثيًا أمام انكشاف منظومتها الصحية، وفشلها في تقديم الرعاية المطلوبة لمواطنيها، واضطرار بعضها، للأسف، إلى المفاضلة بين من يبقى على قيد الحياة، ومن يجب أن تتركه ليموت، وذلك في اختبار حقيقي لما كانت تدعيه من احترام لحقوق الإنسان".

وأضاف أن هذه الدول فشلت في إدارة أزمة وباء كورونا وكشفت عن سيادة قيم الأنانية والنفعية والانتهازية، وغياب الضمير الإنساني لديها، لأن من ينكر الحق في الحياة، الذي يعد أقدس وأثمن حقوق الإنسان التي ينبغي الحفاظ عليها، يفتقر إلى الحد الأدنى من الأخلاقيات.

ولفت إلى أنه حينما يدقق الباحث في الإحصائيات التي تضمنها تقرير التوازن العسكري الأخير، الذي صدر في فبراير الماضي عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS، يصاب بالدهشة، عندما يكتشف أن الإنفاق الدفاعي في العالم ارتفع في عام 2019 بنسبة 4% عما كان عليه في عام 2018، حيث بلغ 1.73 تريليون دولار أميركي، وذلك في أعلى زيادة سنوية خلال عقد كامل.

وتابع أن معدل هذه الزيادة وصل في أوروبا إلى 4.2% وفي كل من الولايات المتحدة والصين إلى 6.6 %، وذلك في مؤشر واضح على عودة السباق على التسلح، وتراجع الاهتمام بالأمن الإنساني والاجتماعي من جانب هذه الدول.

وبين أن ما يقرب من تريليوني دولار تم إنفاقها على ترسانة ضخمة متنوعة من الأسلحة، تم تخزينها أو بيعها لدول أخرى، لو تم توجيه جزء منها للإنفاق على تطوير منظومة الرعاية الصحية في العديد من دول العالم، لكان العالم الآن أكثر قدرة وفاعلية في الاستجابة لمواجهة وباء كورونا.

وقال: "الآن ومع فداحة الخسائر البشرية والمادية التي خلفها الوباء، خاصة في الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية، فإن شعارات مثل: التفوق العسكري، وقوة الردع، والهيمنة، والتفاخر بإنتاج أحدث الأسلحة، لن يكون لها أي صدى أو قبول لدى شعوب هذه الدول التي أيقنت أنها تعرضت لعملية خداع متواصل، حينما تم إيهامها بأنها الأفضل في كل مؤشرات التنمية والرفاه والرعاية الصحية والاجتماعية، لتستفيق على كابوس كورونا القاتل".

واستطرد الكاتب "أتصور أن وباء كورونا يعيد الآن صياغة الكثير من نظريات التنمية والأمن والدفاع في العالم، فلم يعد مقبولاً مع الارتفاع المتزايد في عدد وفيات ومصابي الوباء حول العالم، وخاصة في الدول الغربية، الادعاء أن القوة العسكرية هي أساس القوة الشاملة للدولة، باعتبارها تمثل الرادع للأعداء، والضامن للمكانة والنفوذ في النظام الدولي".

وعزز رأيه بما كشفته هشاشة منظومة الرعاية الصحية والإجتماعية في هذه الدول، وباتت عاجزة عن توفير الأدوات الصحية الضرورية لمواطنيها، بدايةً من الكمامة ونهايةً بأجهزة التنفس الصناعي، بل وجعلها تتنافس فيما بينها للحصول على هذه المستلزمات الطبية بأي صورة، حتى لو من خلال القرصنة على الشحنات الطبية أو مصادرتها، بصورة أظهرت العالم الآن وكأنه يعيش «حرب كمامات».

ورأى أنه إذا كان سباق التسلح وعسكرة الفضاء والتفوق في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والحروب التجارية والإقتصادية تمثل أهم مفردات المشهد العالمي قبل ظهور كورونا، فإن المستقبل يشي بتحولات هائلة، سيتم خلالها تغيير أولويات الدول الكبرى التي بات عليها الآن إعادة بناء منظومتها الصحية، والاهتمام أكثر بالأمنين الإنساني والاجتماعي لشعوبها، لأنها أدركت الآن أن قيمة الكمامة أهم من الصاروخ، وأن الدور الذي تلعبه أجهزة التنفس الصناعي أجدى للبشرية من ترسانات الأسلحة التي يتم تخزينها وتكديسها من أجل صناعة الموت في العالم.

/ تعليق عبر الفيس بوك