عائلات تروي تجاربها

كيّف غيّر كورونا طقوس رمضان؟

الخليل/رام الله – سائدة زعارير - صفا

يتسابق الطفلان معتصم ومحمد على إمامة أسرتهما في صلاة التراويح داخل المنزل؛ فإذا تظاهرت الأسرة بالصلاة خلفهما تنافسا أيُّهما أعلى صوتًا في قراءة القرآن؛ وبعد انتهائهما من تقليد الكبار، تبدأ مشاكساتهما التي لا تحلو إلا بين صفوف المصلين.

هذا المشهد الأسري "اللطيف" سبقه بنحو 90 دقيقة، زفّ الطفلين "البشرى" للعائلة أن وقت الإفطار حان، إذ ينتظرا المؤذن من على نافذة منزلهما، ويعودان مبتهجين للعائلة فور رفع الأذان.

وأتاح شهر رمضان هذا العام لعائلة هشام قاسم فرصة لم تتكرر من قبل بسبب الانشغال وكثرة الأعمال، إذ اعتاد الرجل على أداء عمله في البناء، والعودة مرهقًا إلى النوم حتى موعد الإفطار، كما يقول لوكالة "صفا".

وحلّ الشهر الفضيل هذا العام في ظل إجراءات وقائية للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد19)، بدءًا من الحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي، الذي فرض على المواطنين التزام منازلهم وتجنب الزيارات العائلية، إلى إغلاق المساجد ومنع صلاة الجماعة.

"إيجابيات الحجر"

ويشير قاسم، في حديثه لوكالة "صفا"، إن أعماله توقفت نسبيًا بسبب الظروف الراهنة، لكنه رغم ضعف دخله في هذه المرحلة، إلا أنه ممتن للظروف التي جاء فيها رمضان هذا العام.

ويضيف "سمحت لنا الظروف بخلق أجواءٍ إيمانية أسرية من خلال الاجتماع على الصلاة، وتلاوة القرآن وتعليم الأطفال تعاليم الدين وطقوس الشهر المبارك".

وأقام الأطفال مخيمًا داخل المنزل يتخلله رواية قصص الأنبياء وحفظ القرآن، ويقول الوالد إن أطفاله يشعرون بالكثير من الحماس حين يشاركهم في ذلك.

ومع غياب العزائم قلّت المصروفات، وأصبحت صلة الرحم تُنجز عبر الفضاء الإلكتروني بلا هدايا، كما يقول قاسم، "بعد أن كانت العائلات تجتمع على موائد الإفطار، وتطول جلساتها، وغالبًا ما تفتوها صلاة التراويح".

مشاهد مفقودة

ورغم أن للحجر المنزلي عديد الفوائد على بعض الأسر، ولاسيما في شهر رمضان، إلا أنه كان قاسيًا للغاية على بعضها.

وتُخيّم أجواء الكآبة والصمت على الجدين عابد بسبب مكوثهما بمفردهما، على غير ما جرت العادة، في منزلهما ببلدة صوريف شمالي الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة.

وتقول ابنتهما جميلة لوكالة "صفا"، إن أبرز اختلاف لرمضان هذا العام هو عدم تمكّنها من زيارة والديها بسبب ظروف الإغلاق، إذ كانا ينتظران بفارغ الصبر أن يملأ الأبناء والأحفاد عليهما المنزل في الشهر الفضيل.

كما "تتحسر" جميلة على فوات فرصة زيارة المسجد الأقصى في أيام الجُمعة خلال رمضان، إذ كانت تتحمس لذلك كثيرًا، لكن في ظل جائحة كورونا، لا تملك سوى الوقوف على أطلال الذكريات.

وتقول: "ننتظر جُمَع رمضان من العام إلى العام حتى نستطيع زيارة المسجد الأقصى، وعيش أجواء القدس التي حرمنا منها الاحتلال قبل كورونا".

وتصف جميلة موعد صلاة التراويح في المساجد بـ"الساعة البيولوجية"، إذ كان يذهب الرجال للصلاة وتشرع النساء في إعداد الحلويات؛ لتجتمع العائلة بعد التراويح، وهي الآن تفتقد هذا الانتظام.

"محنة ومنحة"

وما بين الفرص الإيجابية التي قد لا تتكرر إلا في مثل هذه الظروف، والمشاهد المفقودة من رمضانات سابقة بفعل الإغلاق؛ تبرز الحاجة إلا استغلال الوقت وترتيبه بشكل أفضل خلال الشهر الفضيل.

ويقول إمام مسجد الإسراء في رام الله الشيخ عيسى وادي إن الناس أسرى للنماذج التي اعتادوا عليها، لكن رمضان هذا العام بظروفه المربكة بمثابة اختبار رباني.

ويضيف الشيخ وادي لوكالة "صفا"، "فكما أن الصيام خروجٌ عن المألوف واتباعٌ لنظام جديد، فكذلك رمضان العام بمقتضى الحال".

ويشير إلى أن "المساجد قلب مستمر يضخ الحياة للمسلمين، ولا يدرك بعض الناس هذه الحيوية ولا يتفرغون لها إلا في شهر رمضان، وبغيابها يفقدون شيئًا من رمضانهم".

و"انعكس تشاؤم الناس من رمضان لما اقتضته ظروفه هذا العام، على استقبالنا وتعايشنا مع الشهر الفضيل"، وفق الشيخ وادي، لكنه يقول إن هناك "حكمة ربانيةٍ للتزامن الحاصل بين الجائحة ورمضان".

ويضيف "هي فرصة لإعادة ترتيب الذات وتقارب الأسر وتعارفها بعدما فرقتها المشاغل".

ويدعو الشيخ إلى الصبر وتحويل المحنة إلى منحة من خلال استغلال الفراغ فيما ينفع، كلٌ بطريقته.

/ تعليق عبر الفيس بوك