والدها استشهد منذ طفولتها

الجريحة المتفوقة "مريم".. بطلة العَلم والقلم

رفح - هاني الشاعر - صفا

عادت الابتسامة من جديد لترتسم على شفاه جريحة مسيرات العودة مريم فريد أبو مطر، ودّبت الفرحة في جسدها المُنهك من الأدوية والعقاقير الطبية، وقلبها المجروح قبل ذلك باستشهاد والدها، بعد حصولها على معدّل 81% في الفرع العلمي بالثانوية العامة.

وأصيبت "مريم" بجراحٍ في قدمها جراء عيارٍ متفجر أطلقه عليها جنود الاحتلال الإسرائيلي خلال مشاركتها في مسيرات العودة، في ذكرى يوم الأرض 30 مارس/ آذار 2018، ومكثت أسبوعين تتلقى العلاج بغزة، حتى غادرت إلى تركيا منتصف أبريل/ نيسان، لاستكمال العلاج.

مكثت مريم نحو عامين للعلاج في تركيا، وعادت لغزة، دون أن ينتهي العلاج بشكل نهائي، وتشعر بغصة لعدم عودتها للسير بشكل طبيعي، رغم التحسن الكبير الذي أحرزه الأطباء في علاجها؛ لتبدأ رحلة علاج طبيعي هنا، في انتظار العودة لتركيا، لاستكمال العلاج.

بدأ العام الدراسي 2019/2020 في سبتمبر/ أيلول الماضي، لكن "مريم" لم تدخل معهم سباق الدراسة، لكنها قررت في مارس/ آذار الماضي، العودة لاستكمال مسيرتها، متحدية ظروفها النفسية الصعبة.

عانت كثيرًا من ضغط الوقت؛ فلم يعد أمامها سوى ثلاثة أشهر للدراسة، فيما استنزف العلاج الطبيعي وقتًا طويلًا من يومياتها مع الثانوية العامة؛ فحرمت نفسها الراحة، ووازنت بين الدراسة والعلاج، حتى تفوقت وتوجت بهذا بالمعدل.

وتقول "مريم" لمراسل "صفا": "لم أكن أتحرك بشكل طبيعي، فكنت أنهيت منذ فترة قصيرة عمليات معقدة في تركيا، لكن مع العلاج الطبيعي بغزة استعدت السير بشكل طبيعي بنسبة كبيرة، وهذا ما حسّن من نفسيتي، وساعدني على الاستمرار في الدراسة".

تربّت مريم كبيرة شقيقيها، بعد استشهاد والدهم في غارةٍ إسرائيلية قبل أن تبلغ أربعة أعوام، فلم تعِ جيدًا حتى ملامحه، كما لم تفرح باحتضانه والعيش معه طويلاً؛ فعاشت اليُتم منذ ذلك الوقت، فيما كان شقيقها بعمر عام واحد، وشقيقتها الأخرى في بطن والدتها.

وفي استقبال نتيجتها، ارتدت مريم فستانًا شبيها بفساتين الزفاف، وزينت مع والدتها المنزل بالبالونات، وتوافد الأقارب والجيران عليها بأطباق الحلوى وأكاليل الورد وعلب الهدايا المغلّفة، لإدخال البهجة والسرور في نفسها، فيما تعالت أغاني النجاح من منزلها، الذي سكنه الحزن والألم طويلاً.

وتقول: "بعد المعاناة التي مررت بها، والصعوبات التي واجهتها في المستشفيات كما باقي الجرحى والمرضى، أيقنت أنه من المهم أن أنجح لأدرس الطب، كي أعالج أبناء وطني الذين يمرون بظروف صعبة ويحتاجون العلاج في ظل الحصار".

وتضيف "حتى الآن مستمرة في علاجي، ولدي العديد من العمليات في تركيا، ورغم تلك المعاناة والتحديات ما زلت صامدة وصابرة وأحتمل الألم والوجع، حتى أُشفى بالكامل، وأدرس في الجامعة التخصص الذي أريد وأحب".

وعن قصة "فتاة العَلم الثائرة" تقول: "دائمًا ما كنت أحمل العَلم، مقنّعة بالكوفية على الوجه، وأتوجه للمشاركة في مسيرات العودة، فيبدو أن ذلك المشهد أغاظ الاحتلال، فأصابني الجنود بعيار ناري متفجر مُحرم في القدم؛ لكن بجبروتي تحديتهم وعدتُ لحياتي، وتفوقت دراسيًا".

أما الأم، التي مارست دور الأب، فهي أكثر من فرحت بتفوق ابنتها، فبعد شقاء العمر جنت ما زرعته، وعانقت بدموع الفرح ابنتها المتفوقة، وعلقت البالونات والزينة في أرجاء المنزل، وجاءت بالحلوى والعصائر لتوزيعها على المهنئين".

وتقول الأم لمراسل "صفا": "رعيت مريم وأشقاءها منذ طفولتهم، ولم يكن الأمر سهلاً بعد استشهاد والدهم، كما زاد الوضع صعوبة بعد إصابتها بمسيرات العودة وكانت رحلة علاجها قاسية، وما إن عادت من تلك الرحلة حتى دخلت رحلة دراسة الثانوية العامة، وهي من أصعب المراحل في حياتنا، لكن أفرحتنا بتفوقها، واليوم نعيش فرحتنا بتفوقها وعودتها للوقوف على قدميها والبدء بالتعافي تدريجيًا".

"مريم البطلة"، هكذا أطلقت الأم على ابنتها التي رفعت رأسها بالتفوق، وسعدت كثيرًا بتغلبها على إصابتها الصعبة في مسيرات العودة؛ شاكرة جميع أصدقائها ومدرسيها وكل من كان بجانبها حتى تفوقت.

أ ج/أ ع

/ تعليق عبر الفيس بوك