"ديلفري العشّاق" في غزة.. الحبُ يخالف الحظر

غزة - أحمد الكومي - صفا

"لا يعيش الحب إلا بالتضحية".. وجد الشاب المقبل على الزواج محمد عدنان، هذه العبارة مبررًا لمخالفة حظر التجوال المفروض على محافظات قطاع غزة بسبب تفشّي وباء كورونا؛ كي يلتقي خطيبته.

يعمل محمد (27 عامًا) صحافيًا في مؤسسة إعلامية ويسكن مخيم الشاطئ للاجئين غربي مدينة غزة، وقد مرّت أربعة أسابيع على آخر لقاء مع خطيبته.

لم يفكّر محمد مطلقًا مع بداية فرض الحظر في 25 أغسطس الماضي، بالمخاطرة في مخالفته كي يلتقي محبوبته؛ فمَن المجنون الذي قد يغامر بذلك؟ لكنه وجد في نهاية الأمر أن "كل شيء يستحق المحاولة وسط الخطر".

بحث محمد طويلًا في الوسيلة التي تقرّب المسافات ويُعيد بها إعمار قلبه. صديق أرشده إلى خدمة التوصيل إلى البيوت "ديلفري"، فكّر طويلًا مرة أخرى: "ديلفري"؟ تساءل ثم تمتم: "قاطف الورود لابد أن تدمي يديه الأشواك".

ياسر أبو يحيى (25 عامًا) طالب جامعي يمتلك دراجة نارية ويعمل في خدمة الديلفري، ويُسمح له أحيانًا بالانتقال بين الأحياء والمناطق المغلقة بخطّ سير مشروط وبكامل مستلزمات الوقاية.

ورغم ذلك يحرص على عدم الخروج عن نطاق الحظر، ويسمّي نفسه بأنه "تاكسي داخلي"، أو "ملك الخطّ" في ظل استراحة المركبات.

هاتفه محمد وعرض عليه نقله إلى مكان سكن خطيبته شمالي مدينة غزة، وهي بالنسبة لخاطب مسافة تقاس بوحدة القلب، لكنها تمتلئ بالحواجز الرميلة وأفراد الشرطة والأسئلة المغلقة وحُلم الوصول.

على الطرف الآخر من المكالمة، استقبل ياسر الأمر بابتسامة وقبول: "امنحني 10 دقائق لفكّ صندوق الدراجة.. الطلبية هذه المرة عاشق"، قالها ضاحكًا.

أصبحت خدمات الديلفري فرصة عمل لكثير من الشبان، وزادت أهميتها مع منع حركة المركبات والتجوال في محافظات القطاع ضمن جهود محاصرة الوباء، باستثناء السماح لهذه الخدمة في تأمين احتياجات الناس.

جدوى الخدمة تحت الحظر، ألجأت العديد من المحال التجارية وأصحاب المطاعم ومراكز التسوّق الكبيرة إلى الاعتماد عليها في تلبية طلبات الزبائن الذين أقبلوا عليها للحصول على المواد الغذائية.

يقول ياسر لوكالة "صفا": "استغربت الطلب في بداية الأمر، لكن وجدت نفسي سعيدًا بإسداء هذه الخدمة النبيلة".

لم يكن الأمر جميلًا فقط لدى محمد، بل أكثر، واستقل دراجة ياسر النارية وانطلقا يبتسمان من خلف الكمامة، كان محمد يشعر أثناء الطريق بأنه ثائر وليس طائشًا في فكرته إلى الحدّ الذي يعتقده أبوه.

يدافع محمد عن فكرته بالقول لوكالة "صفا": "إنها تستحق هذا العناء، خصوصًا أن مراسم العرس كان من المفترض أن تقام في مثل هذه الأيام، لكن الحظر حال دون ذلك".

ويضيف "كان لابد من الذهاب والتنسيق والتشاور مع أهل العروس على بعض الأمور، لكن هناك مراعاة لكل الإجراءات الوقائية اللازمة من قفازات وكمامة وتعقيم".

يشير محمد إلى أن الجميع من حوله قابل الفكرة بالضحك والسخرية في البداية، وبالرفض من آخرين؛ خوفًا من الفيروس ومن مساءلة الشرطة على الحواجز المنتشرة. لكنه تمسّك بفكرة أن الجائزة تعظُم حين يعظم الخطر.

بمجرّد وصوله، سارعت "عبير" خطيبة محمد إلى المطبخ، أعدت له كأس ليموناضة ونحو مائة سؤال. تقول لـ "صفا" بطيف ابتسامة: "لقد كنت خائفة".

تصف عبير ردّ فعل عائلتها بمجرد علمهم بقدوم صهرهم، تقول إنهم طلبوا منها أن يلتزم محمد بلس الكمامة وقفازات اليد: "هذا شرط، فش مزح".

تتفق عبير مع محمد في أن كل ممنوع مرغوب، لكنها تؤثر السلامة. وعلى الرغم من ذلك تعتبر قدومه تحت الحظر بأنها "زيارة ستخلّد في سجل زواجنا".

وهذا السجل سيضاف إلى سجلات المحاكم الشرعية التي وثقت أكثر من 15 ألف عقد زواج في قطاع غزة حتى نهاية العام 2019، بزيادة نحو ألفي حالة زواج عن العام الذي يسبقه.

صهيب (30 عامًا) لم يضبط إيقاع قلبه هو الآخر على الحجر مدة أطول، واستقل "ديلفري" إلى خطيبته. ويقول لـ "صفا" عبر الهاتف: "نصحني بهذه التجربة صديق، وقال إنها سهلة وآمنة".

كان مقررًا حفل زفاف صهيب يوم 9 سبتمبر الجاري لكن تأجل بسبب الحظر، لذلك يرى أنه ما فعله "خيار جيْد"، مضيفًا: "كنت في البداية متخوفًا من التجربة، لكن الأشياء الايجابية التي تلقيتها من أشخاص جربوها، شجعتني".

أما خطيبته فاختلطت مشاعرها: "كانت متخوفة، ومتشجعة للفكرة في الوقت نفسه"، بينما اعتبرها صهيب "مغامرة جميلة، يمكن أن أرويها لأبنائنا"، لكنهما يعترفان بأنها خطأ لا يجدر بالعاشق إعلانه.

أ ع/أ ج

/ تعليق عبر الفيس بوك