محيطة بمنطقة المقابر

"الباركور".. رياضة خطرة تنمو على جدران متهالكة بغزة

خان يونس - هاني الشاعر - صفا

بعيدا عن ضجيج الحياة اليومية، وفي منطقة يلتفها الهدوء، ثمة صرخات تُسمع وموسيقى حماسية تتعالى من هواتف محمولة، إذا هي طقوس لاعبي رياضة "الباركور" الخطرة على الجدران المهجورة المُتهالكة في منطقة المقابر غربي محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة.

مع حلول الساعة الخامسة مساءً، ومع نسمات الهواء العليل التي تهب على تلك المناطق، تبدأ رحلة اللاعبين يوميًا بشكلٍ جماعي، يقفزون من جدارٍ لآخر، لمسافات ليس بسيطة، لا تقل عن مترين.

يرتدي اللاعبون ملابس فضفاضة تمكنهم من القفز وتأدية تلك المهمات غير مسموح الخطأ بها؛ فأقل خطأ قد يؤدي للكسر في أحسن الحالات أو الموت في أسوئها، كما حدث مع لاعبين سابقين تعرضوا لكسور وجروح سطحية.

ثمة ثمن يعلمه جيدًا هؤلاء اللاعبون، بين سن التاسعة حتى الخامسة والعشرين، لكن طموحهم الذي ينبت من بين الصخر، هو كتلك الجدران المتهالكة التي تقاوم العوامل الطبيعية لأجل مشاركتهم حُلم الوصول للنجومية، وتمثيل فلسطين خاصة غزة المحاصرة إسرائيليًا وتفتقر للملاعب المُخصصة لتلك الرياضة، وأندية تحتويهم وتنمي مواهبهم.

علاء صافي (23عامًا)، يقصد مع زملائه منذ نحو (12عامًا) تلك الجدران، بعد تعلمه بعض الحركات من عبر مقاطع نشرت عبر "يوتيوب"، وطور من نفسه، بالتعلم كذلك من أصدقائه، الذين شجعوا بعضهم البعض للاستمرار وأصبحوا قرابة عشرة، متسلحين بعزيمة تعزز بداخلهم حب تلك الرياضة مهما كانت الظروف، التي في معظمها تقف ضدهم وتحول دون تطوير قدراتهم.

يقول صافي، بينما يلتقط أنفاسه بعد حركة قفز عن جدار يرتفع عن ثلاثة أمتار يطلق عليها حركة "بكسمر": "بدأت التعلم من الصفر، ولم يكن لدي أي خبرة سابقة، بمساعدة بعض الأصدقاء ومقاطع عبر يوتيوب، وتطورت تدريجيًا وانضممت لفريق من هواة تلك الرياضة الخطرة، حتى أصبحت أجيد كثيرا من الحركات، وأن أمارسها بشكل شبه يومي مساءً، خاصة في ظل جائحة كورونا، وتعطلي عن العمل في أحد محال الملابس المغلقة منذ تفشي الوباء".

ويضيف: "كنت أتألم عندما أنظر للعالم الخارجي، لديهم ملاعب ومعدات متخصصة للعب، ونحن لا نجد منها شيئا سوى جدران متهالكة قديمة، أكبر من عمر هذه الرياضة، نمارس هوايتنا عليها، على أمل أن نسافر يومًا ونمثل فلسطين ونطور من قدراتنا، كما صديقنا محمد الجخبير الذي كان من أوائل من أسسوا هذه الرياضة بغزة، وغادر للخارج يمثل بلده، وحقق بطولات عدّة".

وتابع: "مثلما عانى محمد نحن كذلك، وكلنا أمل بأن نصل لما نصبوا له يومًا"؛ مُشيرًا إلى أنهم يمتلكون هواتف محمولة منذ سنوات يلتقطون بها صورًا ومقاطع فيديو لأنفسهم، وينشرونها عبر يوتيوب ومواقع التواصل، وتحظى بدعمٍ كبير ومشاهدات مرتفعة".

ولم يخفي صافي خشية أهله عليه ورفضهم لممارسة تلك الرياضة، خاصة بعدما أصيب مرات عدّة، لعدم توفر معدات واقية له كما اللاعبين في الخارج؛ مشيرًا إلى أن مستواهم تقدم وأصبح بإمكانهم تحدي فرق دولية، بفعل تراكم الخبرة، والديمومة في التدريب، والممارسة للحركات بشكل متكرر بشكل شبه يومي؛ ومنها: "فلاش، بكسمر، البكدايف، التحويلة، النترة، الفورنت، المسمارية"..

أما اللاعب سعيد الشقرة (18عامًا)، فقد بدا أكثر اللاعبين تحمُسًا، والمُشجع لزملائه لتنفيذ تلك الحركات متناهية الدقة، عاكسة مدى مستواهم المتقدم في اللعب، والذي خلق بداخلهم حافزًا للاستمرار، حتى بلوغ مستويات أفضل، والتمكن من السفر للخارج، ولقاء لاعبين دوليين من مُحبي تلك الرياضة.

كان يجلس "الشقرة" وهو في سن الثانية عشرة من عمره على الرمال الصفراء يلعب مع الأطفال، وينظر بشغف لتلك الرياضة التي كان يمارسها عدد محدود من الشباب على ذات الجدران المُتهالكة، فقاده الشغف إلى التوجه يوميًا لمتابعة اللاعبين، حتى أخذ بيده اللاعب الشهير محمد الجخبير، ودربه حتى بات يجيد كثير من الحركات بعد أشهر من اللاعب، وانضم لفريق (Pik Gaza ) الذي سافر عدد من لاعبيه، بعد تبنيهم من شخصيات أجنبية، وبقي أعضاء الفريق المكون من قرابة 12لاعبًا، ينشرون ما يقومون به عبر صفحاتهم وصفحة الفريق في يوتيوب وفيس يوم وتيك توك.

يقول الشقرة لـ "صفا": "حالة من الإحباط يعيشها الشباب بغزة بسبب الظروف الصعبة، نحن جزء من هؤلاء الشباب، الذين لم نأخذ حقنا في اللعب ونحن صغار، فنحاول عبر هذه الرياضة التي تتعرض خلالها للتضييق حتى من الناس، التي تخشى أن نمارسها على جدران منازلهم، فلم نستسلم، وتوجهنا نحو تلك الجدران المتهالكة، التي تحتضن تلك المواهب".

حال الشقرة، كما حال نظيره صافي، يلتقيان ويأتيان معًا للعب، ويواجه كذلك رفض الأهل لخطورة اللعب، وسبق أن تعرض لعدة إصابات بينها كسر في اليد اليُمنى، ونصحه الكثير لعدم اللعب لكنه أصر على الاستمرار.

ويبقى طموح الشابين صافي والشقرة حبيس الجدران المتشققة المُتهالكة، حتى يتحقق الحلم بنادي مُختص يتبنى وينمي هذه الرياضة التي يمارسها العشرات من الهواة في غزة، التي لا يتوفر بها أدتى مقومات تلك الرياضة.

ع ق/أ ع/هـ ش

/ تعليق عبر الفيس بوك