المسنة "العرجان" لا تمل منها

"السدو".. مهنة البوادي في غزة

خان يونس - هاني الشاعر صفا

أسفل شجيراتٍ من الأحراش يزيد عمرها عن عقدين يتوسط بيت صغير من الصفيح والقماش للمُسنة غنيمة العرجان (70عامًا)، التي تجلس مرتدية ثوبًا تراثيًا مُطرزًا وتمارس هوايتها المتوارثة عن أجدادها في حياكة الصوف ووبر الجمل لتصنع منه قطع فنية؛ محافظة على فن كان وما زال يُطلق عليه "السدو".

ويعدّ "السدو" أحد أنواع النسيج البدوي التقليدي المنتشر في شبه الجزيرة العربية وبادية فلسطين والأردن، ولغوياً هو كل منسوج بطراز أفقي.

إنها حياكةٌ غاية في الدقة تحتاج لمكانٍ هادئ بعيدٌ عن الضجيج. وهذا ما يتوفر لدى "العرجان" التي تقطن منطقة ريفية نائية خان يونس.

فضنك العيش الذي تجسّد في الأواني والفراش البالي من حولها كان دافعًا لغنيمة أن تتمسك بتلك الهواية علها تبيع بعضًا من القطع التي تصنعها يدويًا بثمنٍ يفرج عنها بعض الشيء؛ بجانب حفاظها على ذاك الموروث الذي يميز قبيلتها عن باقي القبائل الأخرى.

تلك الألوان الزاهية المتمثلة في كرات الصوف وحبّات الخرز الصغيرة والمشغولات اليدوية وحدها التي تنير ظُلمة المكان الذي تجلس فيه ليلاً لعدم توفر التيار الكهربائي به أو أي أثاثٍ منزلي حديث أو أدواتٍ كهربائيةٍ.

أثناء عملها في حياكة ما يُسمى "خرُج" يوضع على ظهر الخيول، لم يتوقف لسانها عند "الحمد لله"، دلالة على الرضا عن الحياة التي تعيشها مع زوجها الكهل الذي وصل للتو من رحلة بحث عن طعامٍ لماشيته وبعض الخضروات لأبنائه وأطفالهم الذين يقطنون بجواره في منزلٍ من الصفيح. 

تقول "العرجان" وهي تمسك بإبرة صغيرة تحيك بها غطاء مروحة تالفة لمراسل "صفا": "هذه واحدة من الأدوات التي أصنعها تستخدم لوضع الحناء بداخلها من أهل العريس أو العروس وتوضع على الرأس خاصة للنساء كبار السن ما تزال حتى الآن هذه العادة لدى كثير من العائلات".

وتضيف: "أصنع العصيّ الخاصة بحفلات الزفاف التي يمسكها العريس أو فرق الدبكة وبعض قطع الزينة التي تزين بيوت الشعر التي يقطنها أهل البادية، رغم أن معظمها انقرض ولم يتبقى سوى القليل يستخدم في المناسبات وحفلات الزفاف كذلك عرائس دُمى صوفية".

تتحدث "العرجان" بلهجةٍ بدويةٍ ربما لا يُفهم مقصد بعض العبارات التي تتفوه بها، لكنها توضح أن هوايتها "السدو" تعلمتها لوحدها من خلال ملاحظة بعض نساء البادية وبدأت بتطبيقها وعلمت أن والدتها كانت تُجيدها، لكنها أبصرت النور للحياة ووالدتها كانت متوفية.

وتشير إلى أن كِبر سنها وعدم مقدرتها على الخروج كثيرًا من المنزل خاصة في ظل تفشي الوباء منحها فرصة لإنتاج العديد من المشغولات؛ بينما لم تستطع إخفاء أنها لا تقدر على شراء جميع لوازم عملها، فكُرة الصوف الواحدة تزيد عن خمسة شواكل وهي تحتاج لكثير منها ومن قطع الخرز والإبر التي تعتبر أدوات العمل الرئيسة.

ويتعذر على المُسنة توفر بعض ما تحتاجه من الصوف والخرز بشكل دائم فينقصها بعض ألوانهما وأحجامهما ما يؤدي تعثر عملها لحين توفر تلك القطع.

ومع قرب موعد انتهاء اللقاء مع المُسنة "العرجان" كان الموعد مع رشفة شاي بالنعناع من يدي زوجها وأبنها الذان أوقدا النار لإعداده.

ط ع/أ ك/هـ ش

/ تعليق عبر الفيس بوك