تعلّم مهاراته عبر الانترنت

فن "الأوريغامي" الياباني يرى النور في غزة عبر "حميد"

النصيرات - هاني الشاعر- صفا

"وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزّمانِ كِتابُ"، لم تعُد مقولة المُتنبي التي قالها قبل أكثر من ألف عام تناسب عصرًا كسى الغبار فيه الكُتب، وباتت حبيسة الأرفف، في زمن هجر القُراء الكتب التقليدية إلى الالكترونية.

لكن الشاب الفنان أحمد حميد (30 عامًا) من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، أيقظ تلك الكُتب بعد أن نفض الغبار عن بعضها، وحولها للوحاتٍ فنيةٍ فريدة، وأعادها إلى الحياة مرة أخرى، لكن ليس لنفس الغرض.

"الأوريغامي" فنٌ ياباني استطاع من خلاله الشاب حميد، أن يحول تلك الكتب للوحاتٍ فنيةٍ جميلة، توضع كالتحف على الأرفف والطاولات، محتفظة بأسماء وأشكال وشعارات لا يمكن لها أن تندثر مع مر السنين.

أربع إلى خمس ساعات يستغرق حميد ليُنجز لوحةً واحدة، ومثلها يقضي باحثًا عن الكُتب وسط "الرابش"، ولدى بعض هواة اقتناء الكُتب في سوق غزة القديم، خاصة تلك التي يزيد عدد صفحاتها عن 500، ويميل لونها ورقاتها للأصفر، كي تعطي شكلاً جماليًا للوحة.

تاريخٌ، وجغرافية، وطب، وهندسة، وغيرها، كُتبٌ بلغاتٍ مُختلفة، منها: الإنجليزية والفرنسية والعربية، يزيد عمر بعضها عن نصف قرن، وتتمتع بغطاء غير قابل للتمزق من الكرتون المقوى، تلك التي تصلح فقط لصناعة لوحات فنية، لتوفر بها كافة الميزات التي يبحث عنها فنان "الأوريغامي" الوحيد في القطاع على الأقل وربما فلسطين، كما يقول.

خلف منضدّة صغيرة، على شرفة الطابق السابع، في أحد أبراج مخيم النصيرات يجلس الشاب حميد بمفرده يستمع لموسيقى تحفيزية، مُستمتعًا في ممارسة هوايته المتمثلة في طي ورق الكتب، مع هواء المساء العليل الذي يهب من البحر الذي لا يبعد عن منزله بضعة كيلو مرات.

بداية القصة

في عام 2017 خلال تصفُح حميد تطبيق "انستغرام"؛ شد انتباهه كتاب تم طي ورقاته لتتحول لكلمة (Love)، فاحتفظ بالصورة لأنها أعجبته فقط، دون معرفته بأصل هذا الفن أو من يمتهنه.

وعلى مدار عام من البحث المتقطع وصل لأصل الفن الذي اتضح أنه ياباني قديم، وتعلمه عبر الانترنت بالتواصل مع فنان ياباني يتقنه، حتى أنتج أول عمل عام 2018 للوحة بحرف (H).

أهدى تلك اللوحة لصديقه، بعد أن حازت على إعجابه وإعجاب أسرته، فدّخل بعدها في تحد مع أحد نشطاء الإعلام الاجتماعي، لرسم لوحة كتاب مكتوبة بها كلمة (حياة)، فأصر أن يخوض التحدي، وأنجزها في غضون 15 ساعة.

شعر حينها أحمد بأن ذلك شاق ومُجهد جسديًا، لكن الفنان الياباني "هانكلي" الذي يتواصل معه ساعده في تطوير مهارته عبر إعطائه برنامجًا معدًا باللغة الإنجليزية يمكن أن يسهل عليه ذلك، فلم يكن التعلم عليه سهلاً كونه مختص فقط في الأعمال الفنية الكرتونية والكتابية باللغة الإنجليزية.

تحدى أحمد كما يقول لمراسل "صفا" الظروف وواصل تطوير قدراته، حتى بات ماهرًا في ذلك، وأنتج مئات الأعمال الفنية مختلفة الأعمال والأشكال، يعرضها جميعًا عبر تطبيقات: (انستغرام، فيس بوك، سناب شات) وتحظي بإعجاب الكثيرين.

واستطاع كذلك ترويج بعضها، فيما يتلقى باستمرار طلبات من بعض المتابعين له؛ لكن ليس بمقدور بعضهم شراء اللوحة، التي لا تقل عن 50 شيكلا، وتزيد عن 200 شيكل بعض الأحيان.

ويقول حميد إنّ هذا الفن رغم عدم شهرته بغزة، ومحدودية الطلب عليه، إلا أنه شكل فرصة دخل له في ظل ما يعانيه الشباب من أوضاع مادية صعبة، جراء ارتفاع نسب البطالة في صفوف الخريجين وهو أحدهم، وتفاقم ذلك بسبب جائحة كورونا، ما يحتم على كل شاب بلورة فكرة تصبح مصدر رزق له حتى لو كان محدودًا.

ويأمل الشاب أحمد في تطوير هوياته لتكون مصدر دخل رئيسي له، وليست مجرد هواية أو موهبة فقط كما هو حاصل حاليًا.

ويلفت إلى تواصل بعض المؤسسات في غزة معه طالبة بعض الأعمال كهدايا لها أو لشخصيات اعتبارية أو لمؤسسات تربطها علاقة بها.

ويوضح حميد أن بعض أعماله وصلت إلى خارج القطاع عبر مسافرين وشركات البريد السريع، في فرنسا والسودان والأردن وبلجيكا ودول أخرى.

أبرز تحد

ويشير إلى أن أبرز تحد واجهه في فنه، عدا عملية التسويق، هو جمع الكتب والوصول إليها، فهو يحتاج لنوعية معينة، لم يجدها سوى في "الرابش" بثمنٍ زهيد أو في مكتبات فردية لأشخاص يقصدهم.

ويبين أنه يحرص على أن تكون هذه الكتب خالية من لفظ الجلالة أو آيات من القرآن الكريم، بحيث يرغب أنه تكون بلغة أجنبية، وأوراقها صفراء وغطاؤها مقوى ليبقى مدة زمنية أطول، ويقول إنه وقع على "كنز" من هذه الكتب مؤخرًا بعد عناء.

ويطمح حميد بعد رحلته مع فن "الأوريغامي" أن يدشن معرضًا خاصًا به ويجد من يدعمه في ذلك، وأن يكون سفيرًا عربيًا فلسطينيًا لهذا الفن في فلسطين وخارجها، ويجد اهتمامًا أكبر به.

أ ج/م ت

/ تعليق عبر الفيس بوك