القضية الفلسطينية بعهد بايدن.. تكرار لتجارب سابقة أم واقع جديد؟

نابلس - خـاص صفا

تنفس الفلسطينيون الصعداء بهزيمة دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية، وقرب مغادرته البيت الأبيض، لحساب المرشح الديمقراطي جو بايدن.

فالقرارات والمواقف العدائية غير المسبوقة ضد القضية الفلسطينية التي اتخذها ترامب خلال سنواته الأربع، جعلت من مجرد غيابة المرتقب عن المشهد السياسي الأمريكي والدولي فرصة للفلسطينيين لالتقاط الأنفاس.

ويعتقد المحل السياسي ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة النجاح حسن أيوب أن ترقب السلطة الفلسطينية لنتائج الانتخابات الأمريكية "نابع من سلوك انتظاري لدى القيادة".

ويضيف لوكالة "صفا" أن السلطة شأنها في ذلك شأن كل دول العالم بسبب إدارة ترامب التي مارست كمًّا استثنائيا من دبلوماسية التنمر، وكانت أسوأ إدارة أمريكية في تاريخ القضية الفلسطينية.

ويشير إلى أن ذلك ليس تفاؤلًا في إدارة بايدن، لأن مصلحة "إسرائيل" وأمنها لا خلاف عليهما بين الحزبين الأمريكيين.

وتتوقع السلطة أن يسهم وصول بايدن في تنفيس الاحتقان الهائل الذي خلقته إدارة ترامب، بما يفتح المجال أمام عودة العلاقات مع الإدارة الأمريكية، باتجاه عودة التفاوض وإعطاء قبلة الحياة لـ"حل الدولتين".

ويرى أن "السلطة تضيع وقتها إذا اعتقدت أن مقاربة الديمقراطيين القديمة للتسوية، وهي مقاربة الرئيس الأسبق باراك أوباما، يمكن أن تؤدي إلى نتائج إيجابية أو تعيد الحياة لعملية التسوية".

وفي الوقت نفسه، يعتقد أن "صفقة القرن" انتهت، وأن الإدارة الجديدة يمكن أن تنطلق في معالجتها للملف الفلسطيني مما كانت عليه الأوضاع قبل وصول ترامب.

وهذا يعني وضع "صفقة القرن" جانبا، والتي أعلن بايدن والحزب الديمقراطي مرارا أنها صفقة غير مقبولة، لأنها لن تقدم "إدارة فعالة" للصراع، وتغلق الأبواب أمام أي دور للإدارة الأمريكية بهذا الملف، وهذه ليست سياسة الديمقراطيين، بل اليمين الجمهوري.

ويمكن للإدارة الجديدة –بحسب أيوب- أن تقدم على خطوات قد تفتح الأبواب أمام عودة الحوار مع السلطة وفتح باب التفاوض من جديد.

لكن هذا سيكون له ثمن سياسي يتمثل في عودة التنسيق الأمني مع "إسرائيل"، وقبول السلطة بالكثير من الوقائع التي فرضها الاحتلال على الأرض واعترف بها أوباما باعتبارها أمرا واقعا لا يمكن التراجع عنه، خاصة الاستيطان.

ويقول: "لا أتوقع أن تخرج إدارة بايدن عن الخط العام للإدارات الديمقراطية".

ويستبعد أيوب أن يكون لدى بايدن القدرة على كبح جماح الاستيطان، "فإسرائيل بات بإمكانها اليوم أن تتصرف بطريقة فيها درجة من الاستقلالية عن الإدارة الأمريكية".

ويرجع ذلك إلى أن إدارة ترامب عززت مواقع حكومة نتنياهو عبر اتفاقيات التطبيع مع الدول العربية، وتشعر "تل أبيب" أنها أكثر قدرة على مقاومة الضغوط التي يمكن أن تمارسها أي إدارة أمريكية، ولهذا السبب كثفت عمليات التطبيع وفرض الأمر الواقع.

وفيما يتعلق بالأثر المتوقع على تغير الادارة الامريكية على عمليات التطبيع، لا يتوقع المحلل السياسي أن تتوقف الهرولة نحو التطبيع في عهد بايدن الذي اعتبر ذلك من حسنات إدارة ترامب القليلة.

ويوضح أن الديمقراطيين ليس لديهم مشكلة مع التطبيع، بل يعتبرون أن من شأنه أن يسهل حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وذكّر أيوب أن أوباما كان اقترح استراتيجية جديدة لحل الصراع تبدأ من العرب وليس من الفلسطينيين، لكن هذا المقترح لم ينجح.

أما عن مستقبل المصالحة الفلسطينية، فيقول إنها "وُضعت قيد الانتظار لحين ظهور النتائج الرسمية للانتخابات الأمريكية".

ويرجح ألا تقف الإدارة الجديدة موقفًا متعنتًا أمام إنهاء الانقسام الفلسطيني، بل قد ترى في إنهائه فرصة أكثر ملاءمة للتوصل إلى تسويات أو استمرار التفاوض بطريقة فعالة.

لكن هذا مرهون، وفق أيوب، بتقديرات الإدارة الأمريكية لاستجابة "إسرائيل" لذلك، لأن الإدارة الجديدة من الصعب أن تدخل في صراع مفتوح مع الحكومة الإسرائيلية على كل الجبهات.

تفاؤل حذر

ورغم ترحيب السلطة بوصول بايدن للبيت الأبيض، إلا أن مجمل التصريحات العلنية اتسمت بالتفاؤل الحذر، استنادا إلى التجربة العقيمة مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

ويرى المحلل السياسي إياد أبو زنيط أن التفاؤل بتغير الإدارة الأمريكية يجب أن يكون أكثر من حذِر، فالعلاقة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" عضوية، والاختلاف بين الإدارات يكون على المستوى التكتيكي وكيفية إدارة الصراع.

ويقول لوكالة "صفا" إن :"الرهان على بايدن أو غيره لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مصيبة كبرى، فمنذ التسعينات وما قبلها ونحن نراهن على الأمريكيين لحل الصراع، لكنهم أثبتوا دائما أنهم يديرون الصراع ولا ينهونه".

ويستبعد أن تلجأ إدارة بايدن إلى حلحلة بعض الأمور، كإعادة السفارة الأمريكية إلى "تل أبيب"، وإعادة فتح مكاتب منظمة التحرير بواشنطن، لكنه يؤكد أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء.

ويتوقع أبو زنيط أن تواجه "إسرائيل" تغير الإدارة الأمريكية بطول نفس، وأن تسيطر على الأرض تدريجيا لفرض ضم واقعي للضفة دون أن يكون ضمًا سياسيًا.

ويضيف "إسرائيل حتما ستواجه الإدارة الأمريكية الجديدة، وستحاول تنفيذ صفقة القرن كما هي، وهو ما لن تقبل به إدارة بايدن".

ويشير إلى أن "إسرائيل ستضطر للانحناء أمام العاصفة، وقد تسير الهجمة الاستيطانية ببطء أكثر لكنها ستبقى واقعا على الأرض، كما حدث في عهد أوباما الذي لم يتوقف الاستيطان في عهده، وقد تحدث انفراجة بالعلاقة مع الفلسطينيين".

ويرى أن إدارة بايدن يمكن أن تمارس ضغوطا على "إسرائيل" تمنعها من القيام بخطوات منفردة باتجاه الضم أو خطوات أخرى متطرفة.

لكن "إسرائيل" لديها قدرة كبيرة على التكيف مع الظروف، ففترة أوباما كانت فترة ضاغطة عليها، لكن الحكومة الإسرائيلية أبقت على الاستيطان بشكل تدريجي، وحاولت المراوغة، وحصلت على أكبر دعم أمريكي في تاريخها بقيمة 35 مليار دولار، وفق أبو زنيط.

وبعد ذلك كانت الحكومة الاسرائيلية بحاجة إلى مواقف أمريكية علنية مساندة لها، فحصلت عليها من ترامب رغم أنه لم يقدم لها دعما ماليا كبيرا.

ويقول إن الإسرائيليين ينتظرون عودة رجل مثل ترامب إلى البيت الأبيض مستقبلا، وهذا أصبح ممكنا لأن "الترامبية" أصبحت نمطا شائعا في أمريكا، ولم تعد شاذة.

ويتوقع أن تنال القضية الفلسطينية اهتماما من جانب الإدارة الامريكية الجديدة، والتي تسعى لإعادة الثقة بها لدى المجتمع الدولي بعد أن فقدتها في عهد ترامب.

ويضيف "هناك أولويات لدى الإدارة الجديدة مع الصين وإيران وفنزويلا وغيرها، لكن القضية الفلسطينية تهمها أيضا لأن هناك لاعبا أساسيا مشتركا فيها هو إسرائيل التي لها أذرعها الضاغطة في أمريكا".

ويرجح أن يتوجه بايدن إلى الشرق الأوسط بعد عدة أشهر من توليه منصبه، وسيكلف مبعوثا جديدا، ويعمد لاستبدال السفير الأمريكي الحالي في إسرائيل، لكنه لن يحل القضية الفلسطينية.

ويتوقع أن تتراجع حدة هرولة الدول العربية للتطبيع مع "إسرائيل" مع غياب ترامب الذي كان يملي شروطه على المطبعين.

ويلفت إلى أن "بايدن لن يهمه كثيرا إن طبعت الدول العربية مع إسرائيل أم لا، وهذا سيجعل الدول التي لم تطبع تظهر بمظهر المنتصر على الضغوط الأمريكية، وبالتالي ستتراجع حدة التطبيع".

المطلوب فلسطينياً

ويرى أبو زنيط أن المطلوب فلسطينيا للتعامل مع المرحلة القادمة توحيد الخطاب وتأصيل الرواية الفلسطينية لمواجهة الاختراقات التي أحدثتها الرواية الإسرائيلية في عقلية الإدارة الأمريكية الحالية.

ويؤكد ضرورة إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، وإجراء الانتخابات كمطلب داخلي دون انتظار ضغط خارجي، من أجل الاستعداد لمرحلة ما بعد بايدن واحتمال عودة رئيس أسوأ من ترامب.

ويدعو لإظهار القدرة الفلسطينية على إحداث الفارق في المنطقة، لكي تنظر الإدارة الأمريكية للفلسطينيين كطرف للحل.

ويشدد على ضرورة التوقف عن الرهان على وسيط غير نزيه كالولايات المتحدة، والتوجه لأماكن أخرى بالعالم من أجل التحرر من الضغوط الأمريكية.

ويتوقع أن يتجاوب بايدن مع طلب الرئيس محمود عباس عقد مؤتمر دولي للسلام، والذي يمكن أن يشكل فرصة لبايدن نفسه للخلاص من الضغوط الإسرائيلية.

غ ك/أ ج/ط ع

/ تعليق عبر الفيس بوك