العلماء يكشفون لغز تشكل مجرة درب التبانة

برلين - صفا

من المعروف لدى العلماء أن المجرات يمكن أن تتشكل من خلال دمج المجرات الأصغر منها؛ لكن أصل مجرتنا درب التبانة ظل لغزا حتى اليوم.

ومؤخرا، نجح فريق دولي من علماء الفيزياء الفلكية في إعادة بناء أول شجرة عائلة كاملة لمجرتنا، درب التبانة، من خلال تحليل خصائص المجموعات النجمية الكروية، التي تدور حولها باستخدام الذكاء الاصطناعي، ونشرت الدراسة العلمية في عدد شهر أكتوبر/تشرين الأول من دورية "مونثلي نوتيسز أوف ذا رويال أسترونوميكال سوسيتي".

العناقيد الكروية هي مجموعات كثيفة من النجوم يصل تعدادها إلى مليون نجم، وهي بعمر الكون نفسه تقريبا، وتستضيف مجرة درب التبانة أكثر من 150 من هذه العناقيد، تشكّل الكثير منها داخل مجرات أصغر اندمجت فيما بينها في وقت سابق، لتتشكل المجرة التي نعيش فيها اليوم.

ويرجح علماء الفلك منذ عقود إمكانية استخدام العناقيد الكروية كـ"أحافير" لإعادة بناء تاريخ التجميع المبكر للمجرات؛ لكن ذلك لم يكن ممكنا إلا بعد وضع أحدث النماذج الكونية المبنية على نتائج الرصد الدقيقة، التي أجريت خلال السنوات القليلة الماضية.

وفي الدراسة الجديدة، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة الدكتور ديدريك كرويسن في "مركز علم الفلك بجامعة هايدلبرغ" (ZAH University of Heidelberg)، والدكتور جويل فيفر من "جامعة ليفربول جون مورس" (Liverpool John Moores University) من استنتاج تواريخ اندماج درب التبانة بمجرات أخرى، وإعادة بناء شجرة عائلتها باستخدام العناقيد النجمية الكروية فقط، بحسب بيان لجامعة هايدلبرغ.

ولتحقيق ذلك، طور الباحثون سلسلة من عمليات المحاكاة الحاسوبية المتقدمة لتشكيل مجرات تشبه درب التبانة، وتعد عمليات المحاكاة التي قاموا بها، والتي تسمى "الفسيفساء الإلكترونية" (E-MOSAICS)، فريدة من نوعها لتضمنها نموذجا كاملا لتشكل وتطور وتقويض المجموعات الكروية.

وتمكن الباحثون، في هذه العملية، من ربط أعمار العناقيد الكروية، وتركيباتها الكيميائية، وحركتها المدارية بخصائص المجرات القديمة، التي تشكلت فيها، منذ أكثر من 10 مليارات سنة.

ومن خلال تطبيق هذه المحاكاة على مجموعات من العناقيد الكروية في مجرة درب التبانة، استطاعوا تحديد عدد النجوم التي احتوتها هذه المجرات المندثرة عند اندماجها في مجرة درب التبانة.

ويشرح كرويسن "كان التحدي الرئيسي لربط خصائص العناقيد الكروية بتاريخ اندماج المجرة المضيفة دائما؛ هو أن تجميع المجرات عملية فوضوية للغاية، يتم خلالها إعادة ترتيب مدارات العناقيد الكروية بالكامل".

ولفهم النظام المجري الذي نراه اليوم، استخدم مؤلفو الدراسة الذكاء الاصطناعي، وقاموا بإنشاء شبكة عصبية اصطناعية على محاكاة "E-MOSAICS" بغية ربط خصائص الكتلة الكروية بتاريخ اندماج المجرات المضيفة، وبعد اختبار الخوارزمية عشرات الآلاف من المرات، اندهشوا من مدى دقة قدرتها على إعادة بناء تواريخ اندماج المجرات.

بناء على النتائج التي توصل إليها، شرع فريق البحث في فك رموز تاريخ الاندماجات، التي حصلت في مجرة درب التبانة مستخدمين في ذلك مجموعات من العناقيد الكروية، التي يعتقد أنها تشكلت في المجرة القديمة نفسها بناء على حركتها المدارية.

ومن خلال تطبيق الشبكة العصبية على هذه المجموعات من العناقيد الكروية، لم يتمكن الباحثون من توقع الكتل النجمية وأوقات اندماج المجرات السلفية بدقة عالية فحسب؛ بل كشفوا أيضا عن تصادم غير معروف سابقا وقع بين مجرة درب التبانة ومجرة غامضة، أطلقوا عليها "كراكن" (Kraken)، وقع قبل 11 مليار عام عندما كان حجم مجرتنا لا يتجاوز ربع حجمها الحالي.

وكان العلماء يعتقدون أن أكبر تصادم حصل لمجرتنا هو الذي حدث قبل نحو 9 مليارات عام مع مجرة "غايا إنسيلادوس سوسيج" (Gaia Enceladus Sausage)، ويقول الباحثون إن هذه النتائج سمحت في مجملها بإعادة بناء أول شجرة اندماج كاملة لمجرتنا.

فعلى مدار تاريخها، قامت درب التبانة بالتهام 5 مجرات تضم أكثر من 100 مليون نجم، وحوالي 15 مجرة بها ما لا يقل عن 10 ملايين نجمة، كما اصطدمت أضخم المجرات القديمة مع مجرة درب التبانة في أكثر من مناسبة بين 6 و11 مليار سنة مضت.

ويتوقع مؤلفو الدراسة أن تحفز تنبؤاتهم الدراسات المستقبلية للبحث عن بقايا هذه المجرات المندثرة، وقد عثر الباحثون بالفعل على بقايا 5 من هذه المجرات، ومع التلسكوبات الحالية والقادمة، من الممكن العثور عليها جميعا، كما يقولون.

م ت/م غ

/ تعليق عبر الفيس بوك