قرارات الرئيس تثير تساؤلات بشأن ما تبقى من استقلالية السلطة القضائية

الضفة الغربية - خــاص صفا

أثارت موجة القرارات الأخيرة التي أصدرها الرئيس محمود عباس بشأن السلطة القضائية تساؤلات حول ما تبقى من استقلاليتها في مواجهة السلطة التنفيذية.

وباتت السلطة التنفيذية تمسك بجميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ولاسيما قرار الرئيس الصادر في تموز/ يوليو 2019م، حل السلطة القضائية، وتشكيل مجلس قضاءٍ أعلى انتقالي، وصولا للقرار بقانون ٣٩، ٤٠، ٤١ لسنه ٢٠٢٠، والمتعلق بتشكيل المحاكم النظامية، وتعديل قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة ٢٠٠٢، وإنشاء المحاكم الإدارية، والذي يُعد وفق كثيرين شهادة وفاة للسلطة القضائية.

وتعالت الأصوات المطالبة بالعدول عن هذه القرارات والتي كان آخرها تجميد نقابة المحامين العلاقة مع مجلس القضاء الأعلى المعاد تشكيله ورئيسه الجديد عيسى أبو شرار الذي توجه له سهام التغييرات الأخيرة حتى يتم التراجع عن القرارات التي اعتبرت نقابة المحامين أنها مست بأركان السلطة القضائية.

وأعلنت نقابة المحامين في بيان لها "مقاطعة مجلس القضاء الأعلى الحالي باعتباره مجلسًا غير شرعي، وإجراءات تتعلق بتعليق العمل أمام المحاكم النظامية كافة والنيابات العامة المدنية لفترات، ودعوة المحامين للاعتصام داخل مقرات المحاكم بالزي الرسمي".

بدوره، عدّ الخبير القانوني في مؤسسة الحق عصام عابدين القرارات "تسليم كامل للسلطة القضائية إلى السلطة التنفيذية، وتسليم رقاب القضاة للجهات الأمنية عبر قرارات تحمل في باطنها تغولا أمنيا واضحا عليهم".

وأضاف عابدين لوكالة "صفا"، "على سبيل المثال فإن التعديل الذي جرى على قانون السلطة القضائية بشأن تعيين القضاة بفترة تجربة ثلاث سنوات، بما يشمل مَن جرى تعيينهم بأثر رجعي، يجعل القضاة عرضة للابتزاز".

وأضح أن القرار يجعل القضاة عرضة للابتزاز ولاسيما في ملف الحريات والموافقة على التمديدات غير القانونية للمعتقلين، والاحتواء والاستحواذ والقدرة على الانتقام ممن لا يكون تحت الطلب فيما يتعلق بتنفيذ المصالح الشخصية وتقديم الولاء والطاعة".

وشدد عابدين على "أن ما جرى ويجري هو تحطيم لقانون السلطة القضائية الذي أقره مجلس تشريعي منتخب وهو الأفضل على مستوى القوانين العربية ويضاهي القوانين الأوروبية".

وأكد أن "رئيس مجلس القضاء الأعلى هو في موقع غير قانوني ولا يمتلك الشرعية لتعيينه في هذا الموقع وبالتالي فإن كل ما يجري هدفه تدمير السلطة القضائية".

أما القاضي عبد الله غزلان، أحد القضاة الذين تم إحالتهم للتقاعد لمواقفه المناهضة للهيمنة على السلطة القضائية؛ فقدم على صفحته على "فيس بوك" شرحًا عن عدم قانونية ما يجري.

وكان الشرح بعنوان "قراءة سريعة في القرارين بقانون ٤٠، ٤١ لسنة ٢٠٢".

وقال: "أُسجلُ أن قانون السلطة القضائية رقم ١ لسنة ٢٠٠٢، حالة متقدمة على غيره من القوانين في العالم العربي بما يضمن استقلال السلطة القضائية ومبدأ الفصل بين السلطات".

وأضاف "فيما أصدر الرئيس محمود عباس بتاريخ 15/ 7/ 2019، القرارين بقانون رقم 16 و 17 لسنة 2019، وقد تضمن القرار رقم 16 تعديلاً لشروط إشغال منصب رئيس المحكمة العليا ونائبه، وتعديلاً لسن تقاعد القضاة من 70 إلى 60، فيما تضمن القرار بقانون رقم 17 حلاً لمجلس القضاء الأعلى، وهيئات المحكمة العليا كافة، ومحاكم الاستئناف وتشكيل مجلس قضاء أعلى انتقالي، أنيط به - وعلى النحو الذي صيغ به- إصلاح وتطوير السلطة القضائية والنيابة العامة، و مُنح صلاحيات واسعة في سبيل هذا الذي (كُلف به)".

واستدرك "ولكنه جاء على خلاف كل ذلك من حيث إنشائه وتشكيله ونعته وشخوصه وصلاحياته، وجاء معيبا مشوها معتلاً، وأن عيبَه وتشويهه وعلته انحدرت به إلى درجة الانعدام، ويُعاذُ بالقضاء الدستوري والإداري أن يُشرعنَه".

وأشار إلى أن القرارات التي اتخذت بمجملها "مخالفة للقانون الأساسي ولمبدأ الفصل بين السلطات والأعراف والمواثيق الدولية، ومنهج ضوابط التشريع.

وتابع "فُصّلت بالمقاس، بعيداً عمّا يجب أن تتصف به القاعدة القانونية من تجرد وعمومية، وقُصد بها إحكام قبضة السلطة التنفيذية ومتنفذيها من الأجهزة الأمنية على السلطة القضائية.

وحذر من "مزيد من الهيمنة والتغول والاستقواء، وخلق حالةٍ من التزاوج غير مسبوقة بين السلطتين، وهدم وإلغاء مبدأ استقلال القضاء، والعبث في قانون سيادي، جاء مُنظِما لعمل واحدةٍ من أهم السلطات".

وفي السياق، لفتت ورقة موقف صدرت عن منظمات حقوق الإنسان، إلى "أن التدهور المستمر في أوضاع السلطة القضائية، كما السلطة التنفيذية وحل السلطة التشريعية، يكمن في استمرار الانقسام السياسي الفلسطيني وتداعياته، وعدم الالتزام بأحكام قانون السلطة القضائية، وليس في قانون السلطة القضائية ذاته، بل في سعي السلطة التنفيذية للهيمنة على القضاء وشؤون العدالة، ومخالفات السلطة التنفيذية المتكررة للقانون الأساسي والمبادئ الدستورية".

بدوره، حذر المحامي والخبير القانوني والحقوقي صلاح موسى من أن سلة القرارات القضائية تعكس الاختلال البنيوي في طريقة التفكير والتعامل مع الشأن القضائي، وقد تكون بمثابة شهادة وفاة لمبدأ سيادة القانون.

وأكد لوكالة "صفا" وجود "ثغرات تجعل من التشريعات الصادرة محل هدم لمبدأ سيادة القانون".

وقال: "نحن نتعرض يوميا للاجتياحات الإسرائيلية، حيث سلبت منا السيادة المحدودة وهذه القرارات بجوهرها ستسلب القانون؛ فان بتنا هكذا سنصبح بلا سيادة وبلا قانون، وعندها من سيتحمل الفوضى القادمة، ومن سيتحمل انفكاك ما تبقى من العقد الاجتماعي؟"، بحسب موسى.

وطالب رئيس الحكومة محمد اشتيه التدخل لدى الرئيس وشرح ملابسات هذه التشريعات وأبعادها، مؤكدًا أنه "لو شُرحت للرئيس أبعاد هذه القرارات لن يرضى أن يتم تقويض القضاء بهذه الصورة".

ط ع/أ ج/م ت/ج أ

/ تعليق عبر الفيس بوك