"خزاعة ".. ريف غزة الجميل الذي مزّقته أنياب الاحتلال

خان يونس - هاني الشاعر - صفا

على مدار الأعوام القليلة الماضية بات اسم بلدة "خزاعة" يتردّد كثيرًا على مسامع سكان قطاع غزة بشكل شبه يومي؛ لكثرة الأحداث الميدانية التي تشهدها كونها البلدة الأقرب إلى السياج الأمني بين القطاع والأراضي المحتلّة عام 1948.

احتضنت البلدة الريفية الجميلة الواقعة شرقي محافظة خان يونس جنوبي القطاع مسيرات العودة وكسر الحصار على مدار عامين كاملين إلى جانب فعاليات أخرى كثيرة، كما تعرّضت معظم أراضيها وبيوت سكانها للتجريف والتدمير شبه الكامل خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة صيف عام 2014.

ومنذ سنوات طويلة افترست أنياب الاحتلال جزءًا كبيرًا من مساحة البلدة الريفية؛ فشطرتها إلى نصفين يفصل بينهما سياجان، أحدهما شائك والآخر إلكتروني؛ ما حرم أصحاب تلك الأراضي من الوصول إليها، فيما شرعت بعمليات تجريف وتدمير وقصف واستهداف متعمّد لتلك الأراضي التي يصلون إليها.

المُسن محمد أبو رجيلة (77 عامًا) رغم كبر سنه يضرب بفأسٍ حديدي قديم في تراب ما تبقى من أرضه التي تبعد قرابة 600 متر عن السياج الأمني، حيث يعتني بأشجار الزيتون التي زرعها منذ سنوات، ويزيل الحشائش الضارة منها، في عمل ترافقه فيه بشكل شبه يومي زوجته الطاعنة في السن.

وتبلغ مساحة الأرض التي يتمكّن أبو رجيلة من الوصول إليها قرابة 10 دونمات فقط من أصل قرابة 1000 دونم تمتلكها عائلته والتي تقع غالبيتها وراء السياج الأمني في الأراضي المحتلة عام 1948.

وكلما استراح المُسن "أبو رجيلة" من كدّه وجلس في ظل شجرة زيتون تأخذه نظراته المُتحسّرة إلى تلك الأرض التي لا يستطع الوصول إليها، فيما يشاهد المستوطنين الذين سلبوه أرضه يتنقّلون فيها بكل حرية بحماية من قوات الاحتلال التي تفتح نيران رشاشاتها على كل من يقترب من مسافة 300 متر من السياج الأمني.

وبتمام الساعة الحادية عشرة صباحًا يغادر المزارع المسنّ أرضه؛ كي لا يتعرض لإطلاق نار من جنود الاحتلال، دأبه كدأب بقية المزارعين في تلك المنطقة، فحمل العشب الضار على ظهر عربته وتوجّه مع زوجته إلى منزلهما القريب؛ ليكمل باقي طقوس يومه في إطعام المواشي، والاعتناء بحديقة منزله.

تهجير مرتين

ويقول "أبو رجيلة" لمراسل وكالة "صفا" إنّ عائلته كانت تقطن في بئر السبع جنوبي فلسطين المحتلّة، وقد هُجّرت إلى خربة خزاعة في نكبة عام 48، ثم هُجّرت مجددًا عام 49 ولكن هذه المرة إلى داخل قطاع غزة "أي في الجزء الغربي من السياج الذي وضعته قوات الاحتلال وفصلت به بلدة خزاعة إلى نصفين".

ويضيف "سُمّي السياج حينها بخط الهدنة لكن "إسرائيل" غيّرت مساره ومكانه في سبعينيات القرن الماضي، وسلبت مزيدًا من أراضي خزاعة"، موضحًا أنّ المكان الأول للسياج كان إلى الشرق من موضعه الحالي بحوالي 600 متر.

وتابع "أصبحت خزاعة جزئين، جزء خارج السياج وآخر داخله، وقبل أشهر وضع الاحتلال سياجًا ثانيًا"، مشيرًا إلى أنّه لا يستطيع الوصول إلى جزء من أراضيه داخل قطاع غزة بسبب ما يسمّيه الاحتلال بـ"المنطقة العازلة"، والتي تقوم بها أعمال تجريف وتدمير بشكل مستمر.

ويتابع أبو رجيلة "سكنت عام 1982 في منزل صغير على بعد كيلومتر واحد عن السياج، وفي عام 2006 جرّفته قوات الاحتلال بشكل كامل، ثم قامت عامي 2008 و2014 بتجريف وتدمير بيتي وأرضي ومزرعة المواشي؛ ما دفعني للرحيل إلى منطقة أبعد عن السياج الأمني، وبنيت غرفتين من بقايا حجار المنزل المُدّمر والطين الأحمر".

ويواصل حديثه بحسرة "عندما أنظر للأرض أحنُّ لها كحنين الطفل لأمه، ولو أعطوني مليارات لن أقبل ببيعها، أتمنى الرجوع إليها وأن أحفر قبري بها".

وتبلغ مساحة بلدة خزاعة الواقعة شرقي خان يونس نحو أربعة آلاف دونم، ويسكنها أكثر من 12 ألف نسمة.

"الأرض كما الدم"

على بعد مئات الأمتار من أرض أبو رجيلة دّشنت أمونة القرا (66 عامًا) عريشة من الصفيح والبلاستيك، لا تبعد سوى قرابة 300 متر عن السياج الأمني، وأطلقت عليها "ريف خزاعة" حيث تستقبل فيها الزائرين لأرضها.

والتهم السياج الأمني الذي وضعته قوات الاحتلال الإسرائيلي معظم أرض القرا ولم يترك لها سوى دونمين اثنين فقط.

وتُشير "القرا" بيدها نحو برج عسكري إسرائيلي وتقول "أرضنا خلفه تمامًا، نمتلك مئات الدونمات، وبئر يطلق عليه (بئر القرا)، لم نعد نتمكن من الوصول، حتى التي تقع خارج السياج الأمني لم نصلها، وهذه التي نتواجد بها تعرضت لعمليات تجريف كثيرة، وما زلنا بها ونعمرها".

وتضيف "لقد احتلوا أرض جدي وأبي، ولم يتركوننا نزرع فيما تبقى من أرضنا، بل يقصفون ويطلقون النار ويجرفون ويدمرون، لكن الأرض كما الدم تسري في عروقنا، ولن نتخلى عنها، ونحلم كل يوم العودة لها".

وتشتهر خزاعة بزراعة البقوليات والنباتات العطرية واللوزيات والحمضيات، ويعتمد معظم سكانها على الزراعة وتربية المواشي، وقد تعرضت لعمليات قصف كثيرة واجتياحات برية إسرائيلية، أعنفها كان خلال عدوان صيف 2014، حينما احتلها الجيش الإسرائيلي بشكل كامل وفرض عليها حصارًا مشدّدًا؛ ما أدّى لاستشهاد العشرات من أبناء البلدة وإصابة واعتقال مئات آخرين.

ع و/هـ ش

/ تعليق عبر الفيس بوك