رفيق درب "عقل وعياش"

"كُورونا" يطوي صفحة "الشهيد الحي" صاحب "الأرواح السبعة"

جباليا - محمود البزم -صفا

طويت يوم الجمعة الماضي صفحة مشرفة من صفحات النضال الفلسطيني بوفاة القائد في كتائب القسام صلاح عثمان (49 عامًا) الملقب بـ"الشهيد الحي"، وهو أحد منفذي عملية التلة الفرنسية بمدينة القدس عام 1993.

عثمان الذي ولد عام 1971 في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، عاش حياة طويلة بين المطاردة والاعتقال في السجون الإسرائيلية والتعذيب والإصابة التي أفقدته الحركة حتى توفي متأثرا بإصابته بفيروس كورونا.

عرف عنه منذ صغره الالتزام في المسجد القريب من مكان سكنه الذي انتقل إليه فيما بعد في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، وهناك بدأ بالتعرف على بعض المقاومين أبرزهم القائد القسامي عماد عقل.

ويقول شقيقه محمد إنه: "عندما بدأت انتفاضة 1987 خرجت أنا وصلاح من منزل عماد عقل، وكنا ملثمين وبدأنا بخط الشعارات على الجدران".

ويضيف عثمان لوكالة "صفا": "واصلنا نشاط الانتفاضة بجهود بسيطة حتى عام 1989 الذي تطور خلاله العمل وبدأ قمع العملاء، وعلى إثر ذلك سجن صلاح بتهمة الانتماء لحركة حماس ومكث بسجن النقب 18 شهرًا".

وبعد خروجه من السجن انتقل صلاح –وفق محمد- للعمل العسكري تحت إطار كتائب القسام، وكانت باكورة أعماله المشاركة مع عقل باستهداف جيب إسرائيلي قرب مقبرة الفالوجا، ما تسبب بمقتل 3 جنود إسرائيليين.

الانتقال للضفة الغربية

وعلى إثر تلك العملية طاردت قوات الاحتلال صلاح الذي نجح بعد ذلك بالتسلل إلى الضفة الغربية برفقة الشهيد محمد الهندي، إذ تخفيا بشاحنة لمواد السباكة وتجاوزا حاجز بيت حانون وصولًا إلى الضفة، حسب رواية شقيقه.

ويروي محمد: "أثناء طريقهما إلى الخليل شاهد صلاح سيارة على متنها شرطيين إسرائيليين، فنزل برفقة محمد الهندي وهاجماها بمسدسات بسيطة ونجحا بقتلهما، دون تخطيط مسبق".

وعقب ذلك وصل عثمان والهندي إلى منطقة بيت عوا في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة والتقيا القائد في القسام بالضفة الشهيد محمد عزيز رشدي، والشهيد ماهر أبو سرور.

ويشير محمد إلى أن صلاح وأثناء نشاطه في الضفة الغربية التقى المهندس يحيى عياش، وشاركه العمل في التجهيز لعمليات فدائية نفذتها القسام.

عملية التلة الفرنسية

وبحسب محمد، اختارت القسام ماهر أبو سرور ومحمد الهندي وصلاح عثمان لتنفيذ عملية كبيرة في التلة الفرنسية بالقدس، وكان الهدف هو خطف الباص (25) المزدوج بهدف احتجاز رهائن ومبادلتهم بأسرى فلسطينيين وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة.

ويقول: "تنكر صلاح بملابس طالب جامعي، أما الهندي فتستر بملابس رجل أعمال، فيما ارتدى أبو سرور ملابس تشبه زي الجنود الإسرائيليين، ونجحوا بالفعل في ركوب الباص، وأعلنوا للركاب عن خطفه وطالبوهم بعدم التحرك".

يقول عثمان: "عندما أعلن ماهر أبو سرور أن الباص تم اختطافه وأخذ بإطلاق الرصاص حدثت ضجة داخله، وحينها أطلق صلاح النار على قدم السائق من أجل تثبيته، فانحرف مسار الباص واصطدم بالرصيف".

ويكمل "بعدها أطلق جنود الاحتلال النار داخل الباص فأصيب صلاح بطلق في رأسه، وقفز الهندي وأبو سرور وانسحبا بسيارة من المكان قبل أن يشتبكا مع قوة إسرائيلية على حاجز ما أدى لاستشهادهما".

ويتابع: "عندما وصلت القوات الإسرائيلية إلى المكان، وجدت صلاح مصابًا في رأسه فنقلته إلى مستشفى هداسا عين كارم من أجل علاجه والتحقيق معه".

كان صلاح فاقدًا لقدرة النطق نتيجة الإصابة، ما منعه من التجاوب مع ضباط المخابرات الإسرائيلية، ما دفع رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك إسحاق رابين للقدوم بنفسه للمشفى، طالبًا إعادته للحياة لأخذ المعلومات منه.

فجأة أخذ عثمان بالتهليل والتكبير بشكل لا إرادي، فظن ضابط المخابرات أنه استعاد النطق، وأخذ بالتحقيق معه لكن بلا إجابة، وحينها غضب الضابط وهدده، بعدها نُقل إلى عيادة النقب عقابًا له وجرى وضعه تحت أشعة الشمس فأغمي عليه وازدادت حالته الصحية سوءا.

وبعدما وصل صلاح إلى حالة الموت إكلينيكيا، وظن حينها قادة الاحتلال أنه لن يعود إلى الحياة مجددًا، فوّقع رابين بنفسه على قرار إرساله إلى قطاع غزة.

نُقل إلى مستشفى الشفاء بمدينة غزة أوائل عام 1994، وبدأ رحلة العلاج فيها، وبشكل يشبه المعجزة تحسنت حالته واستعاد القدرة على النطق وظل الأمر سرًا حتى الانسحاب الإسرائيلي حتى لا يُعاد اعتقاله.

عاد بعد ذلك إلى جباليا وبدأ رحلة جديدة من الزواج عام 1994، وأنجب خلالها 3 أولاد وسمّاهم (عماد، محمد، ماهر) تيمنًا برفاقه الشهداء.

ويشير شقيقه محمد إلى أن "المهندس يحيى عياش والقائد محمد الضيف جاؤوا إلى منزلنا لزيارة صلاح والاطمئنان على صحته، رغم الظروف الأمنية الصعبة آنذاك".

ولم توقف إصابة "أبو عماد" مشواره مع المقاومة، فبعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 كان يحاول دعمها بكل الوسائل، بتفقد المرابطين وتقديم الدعم لهم، وحثهم على المقاومة.

وإضافة إلى ذلك، كان عثمان لا يدخر وقتًا ولا جهدًا في مساعدة الجرحى وذوي الاحتياجات الخاصة، وهو أحدهم، وفق أسرته.

ويقول نجله ماهر:" كان أبي يذهب متطوعًا للمشافي لتحفيز المرضى ويحاول مساندتهم وشد عزيمتهم، دون مقابل مادي".

ويضيف لوكالة "صفا": "أثناء تطوع أبي بمستشفى المعاقين بجباليا صادفه فريق طبي من مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي وشاهدوا عزيمته بمساعدة المرضى رغم إعاقته، فمنحوه فرصة للعمل معهم".

كما أسهم عثمان في تأسيس جمعية السلامة لرعاية الجرحى شمالي القطاع، إذ انطلقت من بيته ثم تطورت لتقدم خدماتها للآلاف.

نجاة من موت محقق

كان عثمان على موعد جديد مع النجاة من الموت المحقق مجددًا خلال العدوان الإسرائيلي على غزة نهاية عام 2008، إذ قصفت طائرات إسرائيلية مسجد إبراهيم المقادمة شمالي القطاع، وكان حينها يتواجد بداخله، ما أدى لاستشهاد 10 مصلين وإصابة العشرات.

وأصيب "الشهيد الحي" خلال القصف بشظية في رأسه، أفقدته القدرة على الحركة تماما، ثم ساءت حالته الصحية أكثر، كما يقول نجله ماهر.

ويذكر نجله أنه "جرى نقل أبي إلى مستشفى الوفاء لتلقي العلاج، وأثناء ذلك تعرضت الغرفة المجاورة له للقصف الإسرائيلي، وجرى بعدها إخلاء المستشفى".

يذرف ماهر الدموع من عينيه ويقول: "كان أبي يحب أن يساعد الفقراء والمحتاجين، فلا يطرق أحدهم بابه ويرده خائبًا، وحين لا يستطيع المساعدة كان يبذل كل جهده لتوفير ما يلزم من معارفه".

ويتابع "رغم مرضه وصعوبة حركته إلا أنني لم أشاهد أبي يومًا يتذمر أو يتحسر على حاله، بل كانت معنوياته تناطح الجبال حتى آخر أيام حياته".

أ ج/د م/م ز

/ تعليق عبر الفيس بوك

البث المباشر | مباشر