يعيش بلا مأوى

صواريخ الاحتلال تفقد الكفارنة ذراعه ومسكنه بحربين متتاليتين

بيت لاهيا - هاني الشاعر - صفا

حرٌ شديد لا يُطاق، وهدوءٌ يلتف المكان، وكأن أحدًا لم يكُن هنا من قبل، فمعالم المنطقة تغيرت؛ كانت تُسمى العطاطرة غرب بلدة لاهيا شمال قطاع غزة، وأضحت "المنكوبة".

وتعرضت المنطقة لقصف جوي إسرائيلي مُكثف تسبب في استشهاد عدد من سكانها، وتدمير منازل المواطنين وبنيتها التحتية.

الأربعيني يوسف الكفارنة وأسرته لم يجد سوى بعضا من الستائر والقطع البلاستيكية من بقايا منزلهم المسقوف بالصفيح والإسبست ليحولوها لخيمةٍ صغيرةٍ تأويهم نهارًا منذ تدمير منزلهم في الـ14 من مايو 2021.

ويقضي الكفارنة وأسرته المكونة من 12 فردًا نهاره جالسًا في الخيمة، ينتظرون من يأتي ليواسيهم أو يلتقط صورًا لمنزلهم أو توثيق ما حدث معهم.

في حين تقضي العائلة ليلتها مشتتة عند الأقارب للنوم، حتى بزوغ شمس صباح اليوم التالي، لتبدأ معه دورة جديدة من المعاناة والألم.

الكفارنة الذي فقد يده في إحدى الحروب السابقة على قطاع غزة، كما فقد منزله هذا سابقا.

ويقول الكفارنة عن ذلك "هذا نصيبنا، فقدت يدي في حرب، ومنزلي في حرب ثانية، ما بعرف شو عملت لليهود؟!".

ويوضح "عندما دقت طبول عدوان 2014 فر مع أسرته هاربًا لبيت صهره القريب، ليجد أنه ليس آمنًا، فالقصف في كل مكان، وبشكلٍ عشوائي".

ويضيف "أصبت ببترٍ في يده اليُمنى، وتهتك في اليُسرى، ونجوت من موتٍ مُحقق".

وكُتب للكفارنة الحياة والشقاء، فلم يعد يقدر على العمل، وعاش ضنك العيش وصنوف المعاناة، حتى جاء عدوان مايو 2021 ليهرب من جحيم القصف الجوي والبحري والبري القريب من الحي الريفي الذي يقطنه إلى منزل صهره.

وفي إحدى الليالي القاسية، من ليالي العدوان، يقول: "كنا ننتظر الموت، فكل واحد منا يهرب إلى جارٍ له أو قريب، ظنًا منه أنه في مأمنّ".

ويتابع "حتى أيقنا مع مرور أيام من العدوان، أنه لا مكان آمنّ بغزة، والمكان الذي تعتقد أنه آمنّ قد تكون نهايتك به!؛ فنزحنا قسرًا لمدارس الإيواء في حي النصر بمدينة غزة".

ويقول "تلك الليلة (الجنونية) التي كان تاريخها 14 مايو، تعرض محيط منزلي لغارات جوية إسرائيلية عنيفة، وما إنّ بزغت شمس الصباح، توجهت إلى هناك، فوجدت أشبه بزلزال قد ضرب المكان، حفر عميقة، ومنزل جاري من عائلة العطار منهار بالكامل، واستشهدت أسرة بداخله وأصيب آخرين، وبنية تحتية مدمرة، ومنزلي أيل للسقوط، غير صالح للسكن".

ويتابع "صدمت من المشهد، لم أتخيل للحظة أن المعاناة التي عشتها بسبب الإصابة، ستتضاعف وأعيش أقسى منها؛ بسبب منزلي غير الصالح للسكن، أدخله لأتفقده وأخرج منه بحذرٍ وخوفٍ شديدين؛ خشية سقوط أي شيء منه علي".

ويشير بصوتٍ خافت وأنظاره نحو منزله، "بدلاً ما أكون في منزلي آمنّ، أصبحت بلا مأوى، سوى خيمة أمام المنزل من القماش!.

ويضيف مستهجنا "أي عدل وإنسانية وظلم هذا؟!؛ أتمنى من كل جهة معنية تأتي لترى وتوثق للعالم أن ما تم قصفه مكان مدني وليس عسكري، يضم عائلة فلسطينية مكلومة ومنكوبة".

ويشير الكفارنة بيده المبتورة على طفله الصغير وهو جالسٌ على لعبته المحطمة بين الركام، قائلاً : "هذا الطفل حُرم من فرحة العيد، ومن لعبته التي يلعب بها أيضًا، فلم يرتدي حتى الملابس التي اشتريناها له!".

ويتمنى الرجل أن يأتي "اليوم الذي يستطيع الفلسطيني أن يقول فيه إنه يستطيع العيش بحرية، وفي مأمنّ من بطش وعدوان الاحتلال الإسرائيلي".

وفي مايو/ أيار الماضي، تفجرت الأوضاع في فلسطين جراء اعتداءات "وحشية" إسرائيلية بمدينة القدس المحتلة، وامتد التصعيد إلى الضفة الغربية والداخل المحتل، ثم تحوّل في 10 من الشهر نفسه إلى مواجهة عسكرية في غزة استمرت 11 يوماً، انتهت بوقف لإطلاق النار فجر 21 مايو/ أيار الماضي.

وأسفر العدوان الإسرائيلي على غزة عن ارتقاء أكثر من 250 شهيدّا، بينهم 69 طفلاً و40 سيدة و17 مسناً، وإصابة نحو ألفين، فيما استشهد في الضفة نحو 30 مواطنًا، وأصيب المئات.

هـ ش/م ت

/ تعليق عبر الفيس بوك